orientpro

عهد الشرق


«إقطاع» أسدي بلا كيماوي.. وهيمنة إيرانية بلا نووي

العيش في أوهام و أوها ..وها..

(2)

تمثلا بالقول السائر «إن سوء الظن من أقوى الفطن»، يستحسن هذه الأيام التفكير جديا في ما يلوح لنا من الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة تجاهنا في عهد باراك أوباما.

لقد غدت ملامح هذه الاستراتيجية واضحة إلا للمدمنين على التفاؤل بصرف النظر عما إذا كان للتفاؤل ما يبرره أم لا، ولجمهرة من المتابعين العرب المقتنعين بأنه لا هاجس لدى واشنطن إلا التفكير في تمتين علاقاتها العربية. و مع الأسف، ما أظهرته الأسابيع الفائتة يُختصر بأن مستقبل الإنسان العربي في ذيل قائمة اهتمامات واشنطن، وسيادة كيانات العالم العربي بالكاد تحتل مكانة أعلى في تلك القائمة.

المحنة السورية كانت تحديا مهما كشف جانبا مؤلما من هذه الحقيقة، غير أنها تبقى جزءا من كل. فمن نافل القول أنه لا وجود لاستراتيجية أميركية في ما يخص تسوية القضية الفلسطينية منفصلة عن الرؤية الإسرائيلية. كذلك ظهر من طريقة التعامل الأميركي مع مصر خلال الفترة الماضية أن مقاربة واشنطن مترددة وتقوم على رد الفعل أكثر مما تضع منظورا يتواءم مع وزن مصر الإقليمي بشريا وسياسيا. وأخيرا وليس آخرا جاء الانفتاح على إيران ليثبت الطبيعة السلبية للتعاطي الأميركي وعيوبه البنيوية الخطرة.

بالنسبة للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي سقط الرئيس أوباما في «معركة الإرادات» مع تل أبيب بعد تخليه عن أي مسعى جدي لوقف مشاريع الاستيطان، ومن ثم إنقاذ «حل الدولتين» الذي يُفترض به قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. ومعلوم أن انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع مد اليسار العالمي أضعفا اليسار الفلسطيني، وبالتالي دُفع الشارع الفلسطيني أكثر فأكثر لتقبل الخيار الإسلامي وتبنيه. ولكن هنا يجب التذكير بأن «حرب أفغانستان» - التي كانت عنصرا مؤثرا في التعجيل بانهيار الاتحاد السوفياتي - ما كان لها أصلا أن تُحسَم في غياب «الإسلام السياسي» بشقه «الجهادي» الذي رعته واشنطن قبل أن تتخلى عنه في أعقاب تحقيق الانتصار على السوفيات.. ومن ثم تعاديه، ولاحقا تخوض حربا مفتوحة معه بعد هجمات «11 سبتمبر (أيلول)». ما أقصده هنا أن واشنطن في تلك الفترة ما كانت مطلقا ضد «الإسلام السياسي» بل استفادت منه في حربها الكونية ضد موسكو.

قبل بضع سنوات ورث أوباما البيت الأبيض من جورج بوش الابن مستفيدا من شعاراته الانتخابية المناوئة لنهج بوش العدواني الذي كبد الولايات المتحدة خسائر بشرية ومالية وسياسية، وانعكست الاستفادة في تصويت الأميركيين للمرشح الديمقراطي في خريف 2008. ثم جاء منح أوباما جائزة نوبل للسلام في مرحلة مبكرة من فترة رئاسته «قيدا من ذهب» أسهم في ترسيخ حرصه على تفادي الحروب والمغامرات الخارجية وسط أزمة اقتصادية مستفحلة.

ثمة أمر آخر ميّز أوباما عن سلفه بوش الابن هو «ليبراليته» التي تنأى به عن أي التزام بمنظومات قيم أو مبادئ آيديولوجية، في حين كان بوش «واجهة» تعبر عن تيار آيديولوجي متشدد في يمينيته الدينية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية. وهذا الاختلاف بين مدرسة ليبرالية متحررة من أي التزام مبدئي، ومدرسة يمينية متطرفة في قناعاتها تقسّم العالم كله إلى معسكرين «معنا أو ضدنا».. «خير أو شر».. «أبيض أو أسود».. «صديق أو عدو».. ندفع ثمنه اليوم كعرب وكمسلمين، كما دفعنا ثمنه عندما تبنت إدارة بوش الابن بعد خريف 2001 وجهة نظر «المحافظين الجدد» الليكوديين إزاء خارطة الشرق الأوسط.

أوباما اليوم يختصر القضية الفلسطينية في حماية أمن إسرائيل. فلا بحث جدي في موضوع الاستيطان، ولا تطرق لمخاطر الارتباط العضوي بين المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية وطروحات جماعات الاستيطان التوراتية. بل تقوم سياسة واشنطن اليوم على إهمال الحل السياسي المستند إلى «حل الدولتين» ما دام «الليكوديون» يرفضونه متذرعين بالإسلام الأصولي.

وفي شأن سوريا يختصر أوباما المحنة السورية برمتها في استخدام نظام بشار الأسد السلاح الكيماوي. لقد انحصر هم واشنطن في تجريد الأسد من سلاح محظور ما كان له أن يكدسه أساسا، ناهيك من استخدامه ضد المدنيين. وبعد التوصل إلى صفقة مع موسكو تقضي بنزع هذا السلاح جرى تغييب كل الملفات الأخرى بما فيها حرب نظام على شعبه حصد خلالها السلاح التقليدي نحو 150 ألف قتيل. والآن، يشعر أوباما بأنه مع التركيز على مجزرة الكيماوي وحدها.. فعل ما فيه الكفاية، لا سيما أنه لا ينوي تحدي روسيا أو إيران. ثم إن نظام دمشق «صندوق بريد» إيراني - إسرائيلي بامتياز، ومطلوب إسرائيليا كبؤرة صراع مذهبي سني - شيعي في المنطقة.

ونصل إلى إيران.. الرئيس الأميركي اختار حصر التعامل مع إيران في تطويرها السلاح النووي. وهذا يعني أنه والقيادة الإسرائيلية لا يمانعان في التوصل إلى صيغة «تقاسم نفوذ» في المنطقة لقاء التزام طهران بالامتناع عن تطوير هذا السلاح. ولدى النظر إلى الواقع الجغرافي - السياسي الراهن، لن تكون الصيغة المنشودة صعبة التحقيق، فالعراق وسوريا ولبنان باتت فعليا محميات إيرانية.

وبناء عليه، يجوز اليوم تصور سياسة «واشنطن أوباما» كما يلي:

°- التجاهل التام للقضايا التي تقض مضاجع العرب، في فلسطين أو في دول «الربيع العربي».. أمام خلفية تنامي اليأس والإحباط وتخبّط «الإسلام السياسي» التواق إلى السلطة سلما أو حربا.

°-القبول ببقاء سوريا «إقطاعا» لعائلة الأسد وشركائها ورعاتها مقابل تخلي الطغمة العائلية - الأمنية الحاكمة عن سلاح كيماوي كانت واشنطن وتل أبيب تخشيان وقوعه في أيد غير موثوقة.. بعكس أيدي النظام الذي حافظ على الهدوء التام على طول جبهة الجولان لأربعة عقود. - وأخيرا، وليس آخرا، القبول بإيران «شريكة» في مشروع الهيمنة على الشرق الأوسط، بما في ذلك سيطرتها على العراق وسوريا ولبنان، واحترام مصالحها في مناطق أخرى من المنطقة العربية، لقاء اكتفائها بتطوير قدرات نووية للاستخدام السلمي (؟) وتخليها عن تصنيع السلاح النووي.

هذه قراءة قد تبدو متشائمة لرؤية واشنطن، لكنها تظل واقعية على أي حال، ولا بد لنا من التعامل معها كما هي من دون أوهام.

بقلم : إياد أبو شقرا