orientpro

عهد الشرق


"تركيا تبتعد عن لعب دور الجسر بين الشرق والغرب"

كورت ر. شبيلمان

الخبير الإستراتيجي السويسري

في عام 2008، كان أردوغان يُرافع لفائدة اندماج بلاده في الإتحاد الأوروبي. أما اليوم، فإن تركيا، مدفوعة بنمو اقتصادي مثير جدا، يمّمت شطرها نحو البلدان الإسلامية، مثلما يشرح الخبير الإستراتيجي السويسري كورت ر. شبيلمان.

في بداية الألفية الجديدة، كانت تركيا على وشك الإفلاس. أما اليوم، وبعد انقضاء عقد من الزمن، أصبح البلد المطل على مضيق البوسفور، عضوا في نادي الإقتصاديات الخمسة عشر الأقوى في العالم. وحسب رأي كورت ر. شبيلمان، الأستاذ الفخري بالمدرسة التقنية الفدرالية العليا في زيورخ، فإن النهج الذي سلكه رجب طيب أردوغان منذ وصوله إلى السلطة في نوفمبر 2002، يتلخص في كلمتين: "التصنيع والأسلمة".

إلى متى يمكن لهذا النمو الإقتصادي أن يستمر في تركيا؟

كورت ر. شبيلمان: يُمكن لهذا النمو أن يستمر لفترة طويلة، لكنه متوقف على عدة عوامل، من بينها المسار الذي سينتهجه الإقتصاد العالمي، نظرا لأن تركيا تُصدّر المزيد من الخيرات. هناك عامل آخر مثير للشكوك، يتعلق بالعجز الهام في الميزان التجاري. مع ذلك، نجحت تركيا في إيجاد جو ملائم جدا للمستثمرين والأجانب منهم بوجه خاص. وهذه الوضعية ستستمر على الأقل للمدى القصير. ولكن ما يشكل قلقا بالنسبة لتركيا، هو أن الولايات المتحدة وأوروبا، لم تستطيعا إلى حدّ الآن، التعافي بسرعة من الأزمة الإقتصادية الحالية، لأن الحرفاء الرئيسيين للمؤسسات المُصدّرة التركية موجودون - ولا زالوا - في بلدان الإتحاد الأوروبي.

كيف تستغل أنقرة قدراتها الاقتصادية لتوسيع نفوذها الجغرافي - السياسي؟

كورت ر. شبيلمان: لقد عرف هذا الميدان تغييرا كبيرا. فقد قال الوزير الأول أردوغان في خطابه الشهير في كولونيا بألمانيا عام 2008، بأن تركيا ليس أمامها أي خيار آخر، غير خيار العضوية الكاملة في الإتحاد الأوروبي، وهذا ما تغيّر كليا، حيث أصبحت أنقرة تحاول ممارسة سياسة نفوذ خاصة بها في المنطقة، ومحاولة بسط نفوذها الجيو - سياسي.

وفي الغرب، يُنظر إلى تركيا على أنها عنصر مهم في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط. فهي تعتبر عضوا في حلف شمال الأطلسي من جهة، كما يُـنظر لها من جهة أخرى، على أنها القوة الحامية للقسم الشمالي من قبرص. وفي اتجاه الشمال الشرقي، أي في اتجاه دول آسيا الوسطى، مثل تركمانستان، تعلب تركيا الحلقة المحورية بالنسبة لقنوات نقل الطاقة.

وفي اتجاه الجنوب والجنوب الشرقي، ترغب تركيا في الظهور في العالم الإسلامي بأكمله، على أنها المثل المُـضيء للتوفيق بين النجاح في عملية التصنيع والتمسك بقيم وتعاليم الثقافة الإسلامية، مثلما أشار الى ذلك أردوغان في خطاباته في تونس والقاهرة. وفي هذا الإطار، تطالب تركيا بنفوذ جيو - سياسي متزايد. ومن هذا المنطلق، تم استقبال أردوغان أثناء زيارته للقاهرة في سبتمبر 2011 كـ "بطل" و"مرشد" للعالم العربي.

لقد بدأ التقليل من النقاش "الأبدي" حول إمكانية الإنضمام الى الإتحاد الأوروبي بسبب أزمة الديون. فهل لا زالت تركيا تنظر باهتمام إلى عضوية في الاتحاد؟

كورت ر. شبيلمان: عملية النقاش حول إمكانية الإنضمام، لم يتم فقط التكتم عليها من قبل تركيا، بل عرفت على العكس من ذلك، انهيارا. فقد استخدم ظافر شاقلايان، وزير الإقتصاد التركي عبارات قاسية جدا للتعليق على منح جائزة نوبل للسلام للإتحاد الأوروبي، حيث تحدث عن "الإتحاد الأكثر نفاقا في التاريخ"، الذي ترك تركيا تنتظر لأكثر من 50 عاما أمام الباب، والذي كان من الأجدر أن يحصل على جائزة على نفاقه وأكاذيبه.

نفس النبرة، موجودة لدى المحيطين برئيس الوزراء أردوغان. لقد تغيرت الوضعية بصورة جذرية. ففي الوقت الحالي، هناك لدى تركيا ثقة مُبالغ فيها في قدراتها تحول دون الإستمرار في المطالبة بالحصول على عضوية كاملة. لا شك بأن المفاوضات تتواصل منذ عدة أعوام ولكن بدون أي التزام.

وكيف يُنظَـر للأمور في بروكسل؟ ففي ظل أزمة الديون واليورو، ألا يُمثل وصول عضو جديد قويّ أمرا يدعو للترحيب؟

كورت ر. شبيلمان: في بروكسل، لا زال هناك مَـن يتمسك بعضوية تركية للإتحاد. أما داخل الإتحاد الأوروبي، فقد بدأت تظهر اتجاهات متضاربة جدا. فالحصول على جائزة نوبل للسلام، الذي يُفترض أن يُعزز صفوف الإتحاد، لن يُؤدي إلى التسريع بانضمام تركيا. وبالفعل، فإن الفكرة القائلة بأن عضوية تركيا، ستعزز مجددا قوى التنافر (المندفعة بعيدا عن المركز) داخل الإتحاد الأوروبي، لا زالت سائدة.

لتركيا مكانة بارزة في بؤرة التوتر بسبب الحرب الأهلية المستعرة في سوريا. فهل بإمكانها كبلد مواجهة ضد المصالح الروسية في الشرق الأوسط، أن تستغل موقعها الجيو إستراتيجي لتعزيز موقعها داخل حلف شمال الأطلسي؟

كورت ر. شبيلمان: لقد أصيبت تركيا بخيبة أمل شديدة من موقف حلف شمال الاطلسي بخصوص سوريا، وبالأخص من الموقف الأمريكي، وذلك بسبب التضارب في التصورات بين كل من أنقرة وواشنطن بخصوص الوضع في سوريا ما بعد سقوط بشار الأسد. ففي تركيا، انتهج أردوغان سياسة إعادة أسلمة على أسس سُـنّية خالصة، لكي لا نقول على أسس أصولية. وفي السياق نفسه، تصبو تركيا بالتعاون مع السعودية وقطر، إلى إقامة دولة مسلمة في سوريا.

كثيرا ما تعتبر تركيا بانية جسور بين الغرب والشرق. ولكن - بالنظر إلى السياسة الجديدة المنتهجة من طرف أنقرة - ألم يتحول هذا الإنطباع إلى مجرد كليشيه فقد بريقه؟ وأن يضع أردوغان تركيا اليوم؟

كورت ر. شبيلمان: تضع تركيا نفسها أكثر فأكثر في المعسكر السنّي، معسكر الأمم الشديدة التمسك بعقيدتها. إن الإنقسامات الداخلية بين الكماليين، أي غير المتدينين، والتوجه الإسلامي المهيمن (التي أضحت اليوم بادية للعيان في شوارع إسطنبول أيضا، من خلال طريقة لباس النساء مثلا) أصبحت أمرا مفروغا منه في كل مكان. في الأثناء، تحول أردوغان إلى حاكم مستبد حقيقي، يُسيطر تماما على البلاد، وهو ما يُلاحَـظ بشكل واضح من خلال الضغط المتزايد المُمارس على حرية الصحافة.

في المقابل، تم القضاء عمليا على قوى التحديث التي كانت ممثلة في السابق من قبل الجيش، الذي أنشأه مؤسس الدولة مصطفى كمال (أتاتورك) للعب دور الحارس لهذه العصرنة. وفي الآونة الأخيرة، قال لي أحد تجار إسطنبول، بأنه لم يعد باستطاعة أي من المقاولين الحصول على صفقات من الدولة إن لم تكن تصرفاته مطابقة للتعاليم الدينية، وإذا لم تكن زوجته مرتدية للحجاب. يتعلق الأمر بإشارة بسيطة، لكنها واضحة لإعادة توجيه ثقافي. إن تركيا تبتعد بشكل ذي دلالة عن دورها كجسر بين الشرق والغرب وعن أنموذج لمجتمع منفتح على حد السواء.

بقلم : رينات كونتسي