orientpro

عهد الشرق


أميركا تتفرج "بواقعية" على انكفاء دورها الإقليمي
وتضخيم مكاسب القصير لا يقلل أهمية التمدد الإيراني

عقيدة موسكو

(10)

حين علقت واشنطن على "سقوط" القصير السورية في الأيام الاخيرة، اعتبرت انه "لولا "حزب الله" وايران لما سيطر بشار الاسد على القصير". وهذا التوصيف لا يجانب الواقع او يعتبر تحاملاً على الحزب وايران خصوصاً ان الشواهد اللبنانية على الاقل بين الاحتفالات التي عمت الضاحية الجنوبية ومناطق وجود ابناء الطائفة الشيعية وبين مواكب التشييع المتلاحقة في الأسابيع الاخيرة تؤكد هذا التقويم. الا ان المغزى في هذا التعليق الذي يفيد بأن الأسد لا قدرة لديه بقوته المباشرة على استعادة السيطرة على بلدة او مدينة مما يعني استحالة سيطرته على المدن السورية، يعني ايضا ان الحرب في سوريا باتت تقودها ايران مباشرة عبر قواها الخاصة وباعتمادها على "حزب الله" من لبنان. الا ان السؤال الخطير والمهم الذي يطرحه هذا التوصيف الواقعي يتصل بما اذا كانت واشنطن ستسلم بسيطرة ايران والحزب على سوريا خصوصاً اذا قرر هذان الطرفان بدعم من روسيا متابعة شن المعارك على المدن السورية الأخرى تحت ذرائع واهية مختلفة بهدف استعادتها من الثوار على ما أوحت معلومات عن حشود للحزب تتوجه الى الزبداني وتستعد للتوجه الى حلب. اذ انه وبغض النظر عن كاريكاتورية رئيس دولة لا يزال يقول بتمتعه بالقوة للسيطرة والبقاء في الحكم مستندا كما يقول الى دعم شعبي يستعين بتنظيم أجنبي حليف لاستعادة بلدة من المعارضة، فان التحدي الذي يطرح نفسه امام واشنطن خصوصا وكل الدول الاوروبية والعربية الرافضة لبقاء الاسد في الحكم وتطالب برحيله، ان الصمت على اندفاع ايران و"حزب الله" على الارض في موازاة تصميم روسيا على ارسال صواريخ وطائرات الى النظام جنبا الى جنب قد لا يعزز اوراق التفاوض الروسية في مؤتمر جنيف 2 في حال انعقاده او ان يمد بعمر النظام حتى موعد انتهاء ولاية الأسد في سنة 2014 فحسب بل انه من غير المستبعد ان يبقيه في موقعه طويلاً وفقاً لانتخابات واستفتاءات صورية على عادة الانتخابات السورية، وبما يعنيه ذلك من سيطرة ايران وتعزيز نفوذها في سوريا. والخسارة الكبيرة في هذه المعادلة ستكون لاميركا التي لم تستفد من الحرب السورية لاضعاف ايران على رغم رهانها على ذلك مع انطلاق الثورة السورية كما ستكون لحلفاء اميركا في المنطقة من دول اوروبية وعربية على حد سواء. فتكون النتيجة تبعا لذلك هي اولاً ان الاسد بقي في موقعه اطول بكثيرمن المتوقع ولو ليس بقواه الذاتية انما بفضل الدعم الايراني الميداني اضافة الى الدعم المالي وقتال "حزب الله" الى جانبه، اضافة الى استمرار تمتعه بالدعم الروسي الى حد حلول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مكان الخارجية السورية في مختلف المواقف التي تتطلب حضوراً ديبلوماسياً. وثانياً تكون ايران عززت اوراقها وامتدادها على عكس المتوقع اي ضعف نفوذها وانحساره وقيامها بحرب استباقية من اجل حشر الغرب وتعزيز نفوذها في سوريا وعلى لبنان. يضاف الى ذلك نجاح هذا المحور في زعزعة دول الجوار السوري الحليفة لواشنطن كالاردن وتركيا اضافة الى زعزعة لبنان والعراق علماً ان لبنان قد لا يحتل اهمية كبيرة في سلم الاولويات لدى واشنطن كما لدى هذه الدول. لذا تقول مصادر ديبلوماسية انها تراقب ما اذا كان "حزب الله" سيتوجه لخوض الحرب في مناطق سورية اخرى غير القصير ربما عملاً بما سعت اليه ايران منذ انطلاق الازمة ومحاولتها مساواة سوريا بالبحرين حيث تدخلت قوات سعودية من اجل مساعدة النظام في البحرين من اجل ان تبني على الامر مقتضاه ام ان الحزب سيكون حذراً في ذلك خصوصا في ظل آراء تستبعد انخراطه اكثر من ذلك في مناطق سورية اخرى على رغم ما يسرب في الاعلام لهذه الجهة. اذ تقول هذه المصادر ان هناك دعاية او حرباً دعائية كبيرة رافقت حرب القصير وجعلت منها مكسباً للحزب، وهي كذلك، شأنها في ذلك شأن الدعاية في كل انتصارات الحزب السابقة لكن هناك تضخيماً ايضاً تغذيه مصالح واتجاهات عدة خصوصا متى اخذ في الاعتبار حجم الضحايا الهائل الذي دفعه الحزب قياساً بحرب على بلدة والوقت الذي استغرقه لذلك مع مساعدة جوية من النظام وخصوصاً ان هذا "الانتصار" ليس كالانتصارات الاخرى بأي من المعايير. فلا هو ضد اسرائيل التي "تقاطع" الحزب معها في اتجاه ابقاء نظام الاسد ولا يملك اي غطاء محلي او عربي لما يقوم به وهو وضع طائفته امام عزلة كبيرة في المنطقة وفي مواجهة الطائفة السنية.
هل يحرك هذا التقويم الذي يلتقي على تقديمه ديبلوماسيون كثر واشنطن فتتخذ من تدخل ايران و" حزب الله" في الحرب ذريعة من اجل الافساح في المجال امام تدخل آخر ام تتخذ من تزويدها من فرنسا ادلة حول استخدام النظام السلاح الكيماوي ضد شعبه والذي اعتبرت واشنطن استخدامه خطاً احمر ذريعة للقيام بعمل ما ام تبقى متفرجة شأنها شأن ما فعلت ازاء الهجوم على القصير مكتفية بالتنديد؟
السؤال تحفزه جملة اقتناعات ابرزها بأن واشنطن في موقف ضعيف جداً ازاء روسيا في ما يتصل بالوضع السوري الاستراتيجي والحيوي لهذه الاخيرة في مقابل لامبالاة كبيرة من جانب الولايات المتحدة نظرا الى عدم تهديد الازمة السورية اسرائيل بل ارتياح هذه الاخيرة لما يجري في سوريا. والاقتناع الآخر عن ضعف واشنطن والغرب ومواقفهما الكلامية التي لم تجد لها تنفيذا على ارض الواقع في مقابل روسيا وايران ان ذلك يترجم نفسه في مؤتمر جنيف 2 والاستعدادات له. وقد سربت قبل ايام قليلة معلومات نقلت عن مصادر اميركية تقول باقتناع روسيا بحكومة انتقالية في سوريا ستكون لها صلاحيات على الجيش والاجهزة الامنية السورية باعتبار ان هذه كانت نقطة خلاف من اجل بقاء القوة في يد الاسد او من يضمن لروسيا الضمانات نفسها التي تأخذها من النظام الحالي على ان يبقى الاسد في موقعه حتى نهاية ولايته في سنة 2014. فهذا الاتفاق في حال صحته ينطوي على مطبات كثيرة ليس اقله ان ترجمته قد لا تختلف عن ترجمة جنيف 1 او ترجمة السوريين انفسهم لاتفاق الطائف في لبنان وتسليم دمشق تطبيقه وفق ما تخشى المصادر المعنية.

بقلم : روزانا بومنصف