orientpro

عهد الشرق


روسيا وسوريا في "معمل السحر الأمريكي"

جذور الصراع في الشرق الأوسط

(1)

معاهدة قادش أول معاهدة سلام في التاريخ

وقعت هذه المعركة بين قوات الملك رمسيس الثاني ملك مصر والحيثيين بقيادة الملك مواتللي الثاني بمدينة قادش التي تقع علي الضفه الغربيه لنهر العاصي في سورية جنوب بحيرة حمص بعدة كيلومترات، وهذه المعركه مؤرخه بالعام الخامس من حكم الملك رمسيس الثاني (العام الخامس فصل الشمو، اليوم التاسع ) اي حوالي العام 1274 ق. م علي وجه التقريب، وتعتبر هذه المعركه هي أشهرالمعارك التي خاضها الملك رمسيس الثاني في صراعه مع الحيثيين والتي انتهت بعقد معاهدة صلح بين الطرفين.

واهم مبادئ معاهدة قادش:
1 - أهمية المبعوثين و الرسل والاعتراف بمركزهم في تحقيق السياسة الخارجية.
2 - التأكيد على إقامة علاقات ودية وإشاعة السلام القائم على ضمان حرمة أراضي الدواتين وتحديد التحالف و الدفاع المشترك.
3 - مبدأ رعاية الآلهة للعهد كقسم وتحريم النكث بالعهد.
4 - مبدأ تسليم المجرمين والعفو عنهم إنما دون تمييز بين المجرم العادي و المجرم السياسي.

وتبرز أهمية هذه المعاهدة في تاريخ العلاقات الدولية في ثلاث أمور:
1 - هذه المعاهدة تعتبر أقدم وثيقة مكتوبة حتى الآن في تاريخ القانون الدولي.
2 - هذه المعاهدة بقيت حتى العصور الوسطى النموذج المتبع في صياغة المعاهدات لما تضمنته من مقدمات ومتن وختم.
3 - هذه المعاهدة ترسم صورة أمينة عن أوضاع الممالك في الشرق القديم وعن كيفية انصهار الدولة بشخص
.

بعدما نشرت مقالي الأخير في صحيفة "الخليج" في هذه الصفحة بالذات، بعنوان: "العودة الى 1258 قبل الميلاد لفهم الصراع على سوريا"، تلقيت بعضا من الاتصالات السياسية حول وثيقة الصلح الأولى في تاريخ البشرية بين الفراعنة والحثيين بعد معركة قادش التي ذكرتها بحيث تسلم الحكم بعدها الأشوريون هناك. قد يكون السبب لهذا الاهتمام المستجد، ورود ذكر تلة قادش التي عاش فيها النبي "مندو" في وسائل الإعلام المتابعة للأحداث في القصير على الحدود السورية - اللبنانية، مع أن الهدف من المقال المنشور الإضاءة على تعقيدات المفاوضات السلمية المنتظرة السورية، وترقب مطها الى أبعد الحدود .

فالوثيقة الفضية التي ترفع عنها صورة في الأمم المتحدة كما في المتاحف المصرية والتركية، قيمة من حيث عبرها وألغازها ورموزها، تحتل وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ما زالت تعرف بهذا الاسم حيث تدور أشرس المعارك في سوريا تسابق الكلام عن الحلول السلمية. طبعا لا يعيد التاريخ نفسه بالكامل، ولكن الغوص في تاريخ سوريا القديم والغني بالمعلومات والمعارك والصراعات، يجعلنا أكثر حذرا في الكلام عن السلم الذي ترتفع نبرته إقليميا ودوليا، ولكن النوايا والمقاصد والمصالح، تجعل السلم معضلة صعبة التحقيق. يكفي الدخول الى أية موسوعة أو باب من أبواب غوغل بحثا عن هذا التاريخ، للقول موضوعيا، بأن السلام أو الصلح قد يحصل ويحل هناك قبل استنفاد ما كتب ويكتب عن هذه البقعة الخصبة بما يتجاوز الأساطير.

وعلى الرغم من الفروقات بين المفاهيم المتداولة مثل السلام والتفاوض والصلح في المسألة السورية، فإن صعوبة كامنة حيال استعمال هذه المفاهيم في أشكالها وتسلسلها ومضامينها وشروطها وألغازها المنتظرة. قطعا سيقف ممثلو الدول العظمى والإقليمية كثيرا، وفي رأسهم أمريكا، عند شكل الطاولة الذي لن يكون مستديرا بل مستطيلا على اعتبار أن سقف التفاوض كان موثوقا بشرطين يترددان في التصريحات والأخبار، وهما سقوط النظام والرئيس السوري مع أن ليونة ما في هذين الشرطين يمكن رصدهما في بعض النصوص والتصريحات الجديدة. سيقفون كثيرا عند انتقاء أو تسمية الذين سيتحلقون حول الطاولة في صفوف مرتبة مدروسة بتأن للأوزان. نعم نحن أمام تحضير لمؤتمر سلمي في جنيف كمساحة دولية، وهو ما يدخلنا في عالمين من الثقافات الحوارية يلتقيان ولا ينتهيان:

العالم الأول هو علوم العلاقات العامة. علم يبحث في الصورة، ولكل منا صورته الخاصة به شكلا وملبسا وظهورا في منزله ومكتبه ومجتمعه. تلك الصورة التي غالبا ما نحافظ عليها خصوصا عندما تقترن بالسلطة، أية سلطة عسكرية أو دينية أو أكاديمية أو قانونية. فلكل سلطة هندستها وقوانينها وأصولها. وهذا ما دفع الكاتب الفرنسي "فلوبير" إلى تسمية الصورة بالقناع إذ كتب: "لا أحد يرى أحدا على حقيقته في هذا العالم. . . أقنعة تلاقي أقنعة ". وتجعل تلك الأقنعة المرتكزة الى السلطة مجتمعات خفية ملغزة في تواصلها. قد لا تعود الى ذاتيتها البشرية إلا في أعياد البربارة عندما ترفع الأقنعة، ولكنها أقنعة تسقط عمليا بمعنى السلوك والتصرف والقول عند اختفاء الوجوه. تبحث العلاقات العامة، بكلمتين، عن صورة الفرد أو المؤسسة أو النظام من حيث إيجادها والمحافظة عليها وتطويرها في أعين الجماعة.

أما العالم الثاني غير المنفصل عن الأول، فيضعنا في صلب الثقافة الأمريكية. كانت أمريكا الرائدة في تأسيس هذا العلم بعد أزمة الكساد الاقتصادي الكبير في العام 1929 التي دفعت الكثير من المفكرين وأساتذة الجامعات الإلمان الى الهروب من هتلر نحو القارة الأمريكية بحثا عن سبب سقوط المؤسسات والأنظمة المريع. هي ثقافة في مرتبة العلم معروفة بال العلاقات العامة، تبحث عن الصور الحقيقية من دون أقنعة للزعماء والقادة والمشاهير، ولها خبراء ومعاهد خاصة ووكالات وعلماء نفس واجتماع وسياسيون يعملون على إظهار صورة الشخص المطلوب، ونقاط قوته وضعفه وملامح طفولته. وتصب كلها في مصلحة جهاز من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لتوضع بتصرف صانعي القرار ورؤساء أمريكا كمعلومات يمكن استخدامها لحل أزمة أو صراع ما في خلال جولات التفاوض والضغوطات والتهويلات أو التهديد والمساومات والاستمالات. صحيح أن النظريات كثيرة ومعقدة ومتناقضة في مجالات علوم العلاقات العامة كون قاعدتها تقوم في التركيز على الشخص، لكن هناك من يدحضها عندما يتجاوز الهوامش الشخصية في السياسة الى مقتضيات الجغرافيا والقومية والاقتصاد.

لماذاهذاالكلام؟
لأن الرئيس أوباما ومساعديه يقرأون مجددا ملفات بوتين وبشار الأسد وحسن نصرالله والزعماء الإقليميين والعرب ومجموعة كبيرة من الدراسات المشابهة والمتفرعة في آليات الحلول السلمية الدولية في سوريا التي باتت أكبر بكثير من حجم روسيا، وهي ستأخذ وقتا طويلا. فالحيز الشخصي ثمين أمريكيا في أية مفاوضات أو لقاءات سياسية كبرى. كان اعتبر نابليون أن "ليس هناك من رجال يحاربون، بل هناك قائد وحيد يحارب، وليس جيش الرومان هو الذي شق نهر الأربيكون، بل هو القيصر الروسي". ليس أمتع من الدخول في "معمل السحر الأمريكي"، وفقا للتسمية السياسية الأمريكية، حيث نجد دراسات ومواصفات الشخصيات والقادة الباحثين عن ترك بصماتهم على صفحة التاريخ، خصوصا في ما يتعلق بكل ما هو خارج حدود القارة الأمريكية. قد يتردد الباحث، احتراما، في نقل النواقص والعقد الشخصية التي تطبع الزعماء منذ مراهقتهم، أو تحدد معالم شخصياتهم في السلطة وأمزجتهم في اتخاذ القرارات. والهدف هو أنت تعرفني يعني أنك تملكني وتجعلني منصاعا. ويستغرق رؤساء أمريكا، منذ زمن طويل، في أدبيات هذا المعمل مستمتعين بها عند التحضر الى اللقاءات الدولية أو الزيارات أو المؤتمرات التفاوضية. فقد بعث خروتشوف، مثلا، برسالة الى جون كينيدي بعد لقائهما في فيينا في 3-7 -، 1974 وفيها: "أعرف أنكم أخضعتم للفحوص كل ما لفظه جسدي في فيينا وعرفتم أنني مصاب بأمراض ثلاثة، لكنني أضيف لكم مرضين لم تعرفوهما، وهاكم لائحة بالأدوية التي أتناولها. لقد أصبتم بوصفي ممثلا بارعا، خبيرا ومخادعا. . ". أوراق لا تنتهي في علم النفس السياسي حافلة بتفكيك شخصيات مثل هتلر ونابليون وبسمارك، وقادة الاتحاد السوفييتي من دون استثناء وقادة الشرق الأوسط من عبد الناصر الى السادات وحافظ الأسد وبيغن وصدام حسين والخميني والقذافي وكاسترو وهوشيه منه وغورباتشوف وكيم جونغ إيل "السادي والمازوشي في علاقاته بالنساء، يأكله الغنج، وفولاذي مع جيشه وشعبه. . ". أما الدراسات اللافتة، فتلك التي سبقت محادثات كامب ديفيد عام، 1978 تعيدنا الى طفولة السادات وبيغن في تفاصيل تتجاوز تخوم المتعة والألم.

لا بد من انتظار سوريا والعالم طويلا أمام معمل السحر الأمريكي. ما زلنا في الشكل.

بقلم: نسيم الخوري