orientpro

عهد الشرق


الجنرال ديمبسي القصة ذاتها من فيتنام إلى الشرق الأوسط

مبدأ أرجوحة المسؤولين الأميركيين
(1)

مارتن ديمبسي الذي يحمل أعلى رتبة عسكرية في أميركا نجح في اتباع مبدأ الأرجوحة من خلال تصريحاته سيما التي تتعلق بالملف السوري.             
ما حدث للجنرال “ويست مورلند” قائد القوات الأميركية في فيتنام تحول إلى درس مرير لا يريد أي جنرال أميركي أن يمر به. لقد ارتكب “ويست مورلند” الخطيئة عندما قال: ”لقد ذبحنا هذا الإعلام اليهودي، وساهم في هزيمتنا في فيتنام” عبارة الجنرال ويست مورلند اعُتبرت ” معادية للسامية “، وكان له على إثرها مصير أسود.

يبدو أنه منذ ذلك الوقت، أصبحت تصريحات جنرالات أميركا غايةً في الحذر تجاه اليهود والصهيونية وإسرائيل أو ما يهم إسرائيل. ولا يخفى على أحد أن ما يدور في سوريا يحمل أهميةً خاصة بالنسبة إلى إسرائيل، فأية سياسة أو تصريح أو موقف أو حركة من أية جهة، دولة كانت أم مؤسسة أم شخصية اعتبارية أميركية ذات أهمية لا بد وأن يمر أو يمرر بالفلتر الإسرائيلي.

ماء الوجه الأميركي
ومن هنا فإن تتبع المواقف والتصريحات الأميركية منذ بداية ما يسمّونها بالأزمة السورية، باختلاف وتنوع خطوطها البيانية، تأتي منسجمةً مع ما تريده إسرائيل في سوريا ومن سوريا. فالنظام السوري الذي أراح إسرائيل لعقود يستحيل إيجاد مثيل له. وبناءً عليه لا بد وأن ما أرادته إسرائيل كان منسجماً ومتطابقاً مع الشعار الذي رفعه النظام ذاته: ” الأسد أو نحرق البلد”.
وهنا وجدت أميركا نفسها بين مطرقة حفظ ماء الوجه التي تمثلت بإدانة جرائم النظام والتعاطف والمساعدة لمن يقاومه من جانب وسندان التعطش الإسرائيلي لتدمير وبعثرة سوريا من جانب آخر إذا ما تغير نظامها. ومن هنا أتت التصريحات والمواقف الأميركية متذبذبة مربَكة ومربِكة، حامية مظللة، وباردة محبطة.

يرسم الجنرال ديمبسي صورة قاتمة لمستقبل سوريا، حيث يرى في مؤتمر عقد بمجلس أطلنتك في واشنطن أنه «حتى ولو قرر الأسد ومعه عائلته ورجاله مغادرة سوريا؛ أو حتى لو نجحت المعارضة في الإطاحة بالرئيس السوري؛ وهذا أمر بعيد الاحتمال برأيه، فإن سوريا لا أحد يعرف كيف ستتدبر أمورها كما أنها ستبقى أسيرة الإرهاب والفوضى والمجاعة»

لم يكن الخط الأحمر للرئيس الأميركي أول أو آخر التصريحات والمواقف الأميركية التي زادت من النزيف السوري ولا انقلابه من تجريد البوارج إلى الحل السياسي آخر المساهمات بتضييع هيبته مقابل إطالة أمد المأساة السورية، ولا اختلفت تصريحات كيري النارية في الصباح والخامدة في المساء عن تلاعبات سلفه هيلاري كلينتون التي قالت في النظام السوري ما لم يقله مقتول بحق قاتله، لتعود وتبرد الأجواء ببرودة أنثويّتها التي فسحت المجال يوماً لمونيكا لوينسكي أن تضفي شيئاً من الحرارة على مخدعها الزوجي.

يبقى على أية حال الكلام الفصل في حالات الحروب للجنرالات. فإن كانت المعارضة السورية ستحصل على أي سلاح من أميركا، فلا بد أن يكون ممهوراً بتوقيع الجنرال “مارتن ديمبسي” رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة. وحتى الآن لا يضع الرجل توقيعه إلا على أسلحةٍ غير فتاكة للمعارضة السورية.

والخشية الأساس كما يصرح بأن “الأسلحة الفتاكة” -إذا ما أعطيت للمعارض - قد تقع في “الأيدي الخطأ” وهذه الأيدي الخطأ برأيه هي الجماعات المتعصبة الإرهابية، والتي قد توجه هذه الأسلحة إلى أهدافٍ صديقة للولايات المتحدة الأميركية. بالطبع، في تلك “التصريحات المكرورة” لمئات المرات لم تُذكر إسرائيل؛ ومن أجل تمييع المسألة وإزاحتها عن جوهرها الحقيقي يتم التركيز والمبالغة بمسألة الإرهاب الذي سيأكل المنطقة.

في آخر تصريح لرئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال مارتن ديمبسي يقول إن قيادة أركان حلف شمال الأطلسي ينبغي أن تضع خطةً من أجل مواجهة تصاعد التحديات الأمنية بمنطقة المتوسط وشمال أفريقيا؛ وينصح ديمبسي زملاءه في “النيتو” أن يمنحوا جناح الحلف في المنطقة الجنوبية مزيداً من الاهتمام في الظرف الحالي.

من جانب آخر يرسم السيد ديمبسي صورة قاتمة لمستقبل سوريا، حيث يرى أنه “حتى ولو قرر الأسد ومعه عائلته ورجاله مغادرة سوريا؛ أو حتى لو نجحت المعارضة في الإطاحة بالرئيس السوري؛ وهذا أمر بعيد الاحتمال برأيه، فإن سوريا لا أحد يعرف كيف ستتدبر أمورها؛ كما أنها ستبقى أسيرة الإرهاب والفوضى والمجاعة”.

عندما قال ديمبسي ذلك كان يتحدث في مؤتمر عقد بمجلس أطلنتك في واشنطن حيث لم يتردد في وصف هول المأساة، وكيف أن مسلسلاً من النزاعات في انتظار سوريا ودول الجوار، وكيف أن “نزاعات محتملة ما بين منظمات إرهابية أو ضدها لهو أمر لا يمكن تجاهله. كما أن تداعيات الأزمة ليست مقصورة على سوريا بل قد تمتد إلى دول الجوار من لبنان إلى العراق.”

والجنرال مارتن ديمبسي المولود في العام 1952 رئيس هيئة الأركان الأميركية، منذ العام 2011، وقبل ذلك، تولى مهام القائد العام للقوات متعددة الجنسيات لنقل المهام الأمنية الآمرة في العراق .(MNSTC-I )، في الفترة من آب ـ أغسطس من العام 2005 إلى أغسطس من العام 2007. وديمبسي حاليا يحمل أعلى رتبة عسكرية في الولايات المتحدة.

مستقبل سوريا
قال ديمبسي إن النظام السوري وحلفاءه أظهروا استعداداً محدوداً لمتابعة المسار الدبلوماسي والحلول السياسية كخيارات مفضلة لإنهاء الصراع، ومن بينهم إيران، ورأى أن طهران تقول إن كل الأمور في نصابها الصحيح، «لكن علينا النظر بأعمالها ونحن نعرف أنها متورطة داخل سوريا، ومتورطة في الميليشيات الموالية للنظام، وعلينا أن نختبر دوافعها الحقيقية»

شرح ديمبسي أنه: “عندما ننظر إلى المستقبل ونحاول أن نرى كيف سينتهي (هذا الصراع)، في مرحلة ما، ستحتاج المعارضة السورية إلى بضعة أشياء، ستحتاج إلى منظومة حكم يمكنها أن تقدم من خلالها خدمات جيدة وأمناً للسكان، (وان لم تفعل ذلك) تفشل بسرعة”. وأضاف: “كائنا من كان (إن لم يقدم ذلك) سيفشل تقريبا فورا”. وأضاف رئيس هيئة الأركان الأميركية: “ثانيا، سيحتاجون إلى قوة للحفاظ على الأراضي التي يسيطرون عليها، واستخدامها من أجل الإغاثة الإنسانية ومن أجل استكمال النشاط ضد النظام… وبالمناسبة، للقيام بمكافحة الإرهاب مع تزايد هذا النوع من الخطر واستمرار نموه”، و ختم ديمبسي بالقول: “بالمناسبة، الموضوع ليس سوريا، بل هو من بيروت إلى دمشق إلى بغداد”.

تلك الصورة القاتمة التي يرسمها ديمبسي منسجمة تماماً مع العملية الإحباطية التي يراد زرعها في من يقاوم نظام الاستبداد في دمشق، ولكنها غير منسجمة مع رفع التمثيل الدبلوماسي لمن يقاومون النظام ولا مع ما جرى من وعود في كل من واشنطن ولندن؛ ومن هنا نستدل على مبدأ الأرجوحة في الوضع السوري الذي تنتهجه أميركا ومن معها، المبدأ الذي تعود جذوره إلى ما تشتهيه إسرائيل تحديداً والمتمثل بأن تدمر سوريا ذاتها بذاتها طالما أن النظام القائم غير قابل للعودة إلى الحياة للقيام بالمهمة المشتهاة من قبل إسرائيل.

المأساة السورية تسلية ديمبسي
ونقلت صحيفة إندبندنت عن الجنرال ديمبسي قوله خلال زيارة إلى لندن، إن المقارنة المتكررة للحالة السورية مع ليبيا، حيث تم فرض منطقة حظر الطيران بموجب قرار من الأمم المتحدة هي بأحسن الحالات “مصدر للتسلية”، وكشف ديمبسي أن الولايات المتحدة وحلفاءها درسوا إقامة مناطق آمنة للاجئين السوريين داخل تركيا والأردن ولا علم له بأية مناطق آمنة داخل سوريا، مشيراً إلى أن القوت المسلحة التركية أكدت أن أي عمل لإقامة مناطق آمنة داخل سوريا ينبغي أن يكون مهمة منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) وليس مهمة دول بصورة منفردة.

وأوضح ديمبسي أنه إذا قرر حلف الأطلسي المضي بإنشاء منطقة حظر الطيران داخل سوريا فينبغي أن يخصص لها موارد كافية ويتحمل مسؤولية حمايتها، مشيراً إلى أن الجيش الأميركي يواجه تخفيضات قيمتها تريليون دولار مما يشكل تحديات واضحة له، وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي إن النظام السوري وحلفاءه أظهروا استعداداً محدوداً لمتابعة المسار الدبلوماسي والحلول السياسية كخيارات مفضلة لإنهاء الصراع، ومن بينهم إيران، وأضاف أن طهران تقول إن كل الأمور في نصابها الصحيح، “لكن علينا النظر بأعمالها ونحن نعرف أنها متورطة داخل سوريا، ومتورطة في الميليشيات الموالية للنظام، وعلينا أن نختبر دوافعها الحقيقية”.

يرى ديمبسي أن التهديد الإسرائيلي بضرب إيران ومفاعلاتها النووية، ستكون لها عواقب خطيرة على المنطقة، مشيرا إلى أنه “لم يطلب من تل أبيب إحاطة مسبقة لأي هجوم لأنه لا يريد أن يكون متواطئاً ومسؤولاً وبأي شكل من الأشكال عن مضاعفاته”، وحذّر الجنرال ديمبسي من أن أي هجوم إسرائيلي على إيران ستكون له نتائج عكسية ولن يضمن وقف طموحاتها النووية، مصراً على أنه غير مطلع على التخطيط في تل أبيب رغم العلاقات الاستراتيجية القوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي ذات السياق قال في تصريحات نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية “لا أريد أن أكون مشاركا في حال اختارت إسرائيل القيام بذلك”، مشددا على أنه سينظر إلى أي هجوم إسرائيلي على أنه “غير مسؤول وغير شرعي”.

النزاهة الفكرية
قال ديمبسي «أعتقد أننا يجب أن نحافظ على العلاقة بين الجيش الأميركي والجيش المصري، وأعتقد أن العلاقة سوف تتأثر بتصرفاتهم وهل سيحققون تقدما على طريق تحولهم السياسي» مؤكداً أن «العلاقات بين الجيشين يجب أن تحددها بدرجة كبيرة مصالحنا المشتركة، ولنا الكثير من المصالح المشتركة لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب». وتحدث عن المصالح المصرية والأميركية المشتركة في مكافحة المتشددين مشيرا إلى الخطر المتزايد في شبه جزيرة سيناء ومن الفوضى في ليبيا.

أشار أكثر المراقبين إلى أن “تحليلات رئيس الأركان الأميركي تتّسم، أولاً، بقدر من “عدم النزاهة” الفكرية (وليس الأخلاقية فقط). فماذا سيحدث لو رحل الأسد؟ سؤال كان يمكن طرحه أيضاً بالنسبة إلى ألمانيا الهتلرية وإيطاليا الفاشية والعراق الصدّامي وحالات أخرى تدخّلت فيها واشنطن عسكرياً وبصورة أقوى بكثير مما هو مطلوب منها في سوريا، وثانياً، فإن منطق الجنرال ديمبسي “يبرّر” كل المخاوف العربية، والخليجية خصوصاً، وكذلك المخاوف الإسرائيلية (كلاً على حدة) وعدم الثقة بسياسات أوباما في الشرق الأوسط. فالرئيس الأميركي يريد إنهاء عهده بـ”صفقة مع إيران” ربما يتصورها مثل صفقة نيكسون مع صين ماو تسي تونغ”.

وعن مصر يرى الجنرال مارتن ديمبسي أن مستقبل العلاقات العسكرية للولايات المتحدة مع مصر التي تم تقليصها، ستتوقف على تصرفات الحكومة المقبلة. وقال ديمبسي “أنا أعتقد أننا يجب أن نحافظ على العلاقة ما بين الجيش الأميركي والجيش المصري، وأعتقد أن العلاقة سوف تتأثر بتصرفاتهم وهل سيحققون تقدما على طريق تحولهم السياسى”.

وشرح ديمبسي ” أن العلاقات بين الجيشين يجب أن تحددها بدرجة كبيرة مصالحنا المشتركة، لنا الكثير من المصالح المشتركة لا سيما في مجال مكافحة الإرهاب”. وتحدث عن المصالح المصرية والأميركية المشتركة في مكافحة المتشددين مشيرا إلى الخطر المتزايد في شبه جزيرة سينــاء ومن الفوضى في ليبيــا.

الأرجوحة
ديمبسي يعرف ما يقول، وهو على درجة رفيعة من التحصيل الأكاديمي، فهو يحمل منذ العام 1974 درجة البكالوريوس في العلوم في ويست بوينت، نيويورك، وماجستير الفنون في اللغة الإنكليزية من جامعة ديوك، دورهام، في كارولاينا الشمالية، في العام 1984، وفي العام 1995 حصل ديمبسي على درجة الماجستير في الأمن القومي والدراسات الاستراتيجية من كلية الحرب الوطنية..

حتى الآن نجح مبدأ الأرجوحة الذي تأتي مواقف وتصريحات المسؤولين الأميركيين وغيرها موافقة له في إنجاز الهدف الأساس الذي وضعه النظام، والذي أتى منسجماً مع ما تشتهيه إسرائيل، إلا أن ما يصعب على أميركا وغيرها حسابه هو حقائق الأرض السورية وحقائق الشعب السوري وحقائق ما حدث ويحدث في سوريا إنها حقائق تفقأ العيون. المسألة مسألة شعب ثار على سلطة مستبدة.

قُتل صحيح، دُمرت قراه ومدنه صحيح، شُرّد صحيح، اعتقل أبناؤه صحيح، ارتُكبت بحقه جرائم ضد الإنسانية صحيح؛ ولكن ما تغفله تلك المواقف والتصريحات أن هذا الشعب كطائر الفينيق يقوم من رماده؛ فإن كان من يتخذ هذه المواقف؛ ويطلق تلك التصريحات يريد في الذي يحدث لشعب سوريا أن يربي شعوب العالم، وبالوقت نفسه يخدم طموحات إسرائيل، فإن الشعب السوري تعلم الدرس ودفع الفاتورة الأقسى في تاريخ البشرية؛ ولابد أن يأتي دور الآخرين ليدفعوا فاتورتهم.

بقلم : د. يحيى العريضي