orientpro

عهد الشرق


الجزيرة العربية

 

صفحات من كتاب المستشرق الفرنسي" جان جاك بيربي" الجزيرة العربية

(2)  

 

ممالك الحق الإلهي

26-27-28-29-

 تقوم في الجزيرة العربية مملكتان متفاوتتان من حيث المساحة متفاوتتان من حيث السكان .أولاهما المملكة العربية السعودية التي تشمل ثلاثة أرباع- او أربعة أخماس كما يقول البعض- مساحة القارة العربية. يحدها من الشمال العراق والأردن , ومن الغرب البحر الأحمر الذي يفصلها عن مصر والسودان والحبشة ,و من الجنوب اليمن ومحمية عدن البريطانية , ومن الشرق أخيرا عمان والخليج العربي والإمارات المنتشرة عليها والخاضعة كلها للنفوذ البريطاني , وتميل العربية السعودية إلى إعطاء اسمها إلى الجزيرة العربية بكاملها التي طمحت إلى بسط نفوذها عليها

  وبفضل الحجاز, يبسط سادة السعودية العربية سيطرتهم الروحية على أكثر من أربعمائة مليون من المسلمين. اذ انه خمس مرات في اليوم و يتجه مئات الملايين نحو مكة المكرمة ليصلوا إلى ربهم وفي كل سنة يؤم الأماكن المقدسة في الحجاز مئات الألوف من المؤمنين , وقد جاؤوا يؤدون فريضة الحج

  ان سدس البشرية على الأقل يعتبرون مركزهم الديني والروحي في الحجاز الذي تتآكله أشعة الوهاجة الشمس, والذي قدسه رسول الدين السماوي الموحد الثالث الإسلام

  وإذا كان الساحل الغربي ساحل القدسية فان الشاطئ الشرقي على طول الخليج العربي يمكن تسميته شاطئ البترول . وما ذلك لا لان الكويت في ظل الحماية البريطانية والإحساء المقاطعة السعودية , تضمان اغرز حقول البترول في العالم . وفي الإحساء السعودي هذا يوجد اكبر احتياطي بترولي معروف في داخل بلد واحد . والاكتشافات تتولى

  ولو صرفنا النظر عما يوجد وراء الحدود يمكن اعتبار المنطقة الواقعة بين شبة جزيرة قطر ورأس الخليج أغنى منطقة بترولية في العالم

 في اقل من عشرة سنوات تحولت الإحساء الصحراوية المليئة بالمستنقعات كالكويت الى منطقة صناعية. ان المنظر فيها يتألف اليوم من منشآت بترولية وأنابيب ومحطات ضخ مستودعات تخزين ومصاف . وفي ليل الصحراء الثقيل يتعالى اللهيب البرتقالي من مشاعل المحرقة مع الغازات السامة كأنه نار البنغال الوهمية الغربية. وحول آبار البترول المستثمرة, قامت مدن حديثة مزودة بكل الوسائل الحديثة على الطريقة الأمريكية

 وأخلى رجل القوافل البدوي وصديقة العريق الودود الأمين الجمل المكان للشاحنات والرافعات والدافعات والقاطرات الضخمة التي صنعت خصيصا للصحراء, و اقتصر عملها على بعض المهام المبهمة . ومحطات القوافل القديمة أصبحت اليوم محطات البنزين وتصليح السيارات , وتعلم سكان الصحراء البدو كيف يستعملون المفتاح الانجليزي لتصريف المنتجات البترولية

  وبين هاتين المقاطعتين المهمتين أيضا الحجاز المقدس والإحساء البترولي تبسط نجد . بلد آل سعود , هضابها الفسيحة الصخرية التي تتخللها الأودية السحيقة الشاسعة الجافة والواحات المتناثرة . إنها محدودة من الشمال والجنوب بصحاري رملية شاسعة: النفوذ الكبرى والربع الخالي , ومن الشرق والغرب تنبسط أمامها تلال الرمال : النفوذ الصغرى و الدهناء . هذا البلد المرتفع اذن هو مقر البدو ومنطلقهم في حلهم وترحلهم

 وهنالك مقاطعة رابعة مهمة في هذه الإمبراطورية غير المتلاحمة الا وهي عسير . الواقعة في الجنوب الغربي , وهي تشابه طبيعيا جارتها اليمن بخصب مرتفعاتها التي تهطل فيها نسبة عالية من الامطار . إنها قسم اليمن من العربية السعيدة الأسطورية . وتكمل لوحة الفسيفاء السعودية مناطق مختلفة اقل اتساعا هي ملحقات نجد , إنها على الأخص في الشمال : الجوف والقصير وشمر, وفي الجنوب الغربي القسم الأكبر نجران . والصحراء الكبرى في جنوب الجزيرة العربية المعروفة باسم الربع الخالي تعتبر هي الأخرى في أكثر الأحيان جزءا من المملكة السعودية

  من هذه المناطق المختلفة , والقبائل البدوية غير المتلاحمة , من المدن التجارية والواحات الناشطة , العائشة طورا في استقلال وطورا في النزاع مع الجيران كون عبد العزيز بن سعود الكبير في اقل من ربع قرن مملكة مركزة متلاحمة منيعة . بل ان المملكة العربية السعودية أكثر من ذلك مدعوة إلى لعب دور من الدرجة الأولى في السياسة الدولية , وقد استجابت لهذه الدعوة على الرغم مما قد يبدو لنا من تأخر مربع في مجالي الاجتماع والاقتصاد

 يقدر عدد سكان المملكة العربية السعودية بخمسة او ستة ملايين نسمة , أي ما يقارب نصف سكان الجزيرة العربية كلها . ولم يجر فيها أي احصاء رسمي ولكن أولى الأمر اعتمدوا في تكهنهم على تقدير نسبة البدو بثلث السكان . وهذه الخاصة الاجتماعية هي من ابرز الظواهر الحياتية في هذا البلد وبلدان الجزيرة العربية كلها. وفي الوقت الحاضر أيضا , ما زالت المملكة العربية السعودية موطن الارتحال الكبير, كبعض أجزاء الصحراء الإفريقية . ولكن مع ذلك , يبدو ان الارتحال الكبير قد كتب له ان يتلاشى ويزول , وقد هددته الآلة في الصميم . وستكون احدى نتائج حضارة القرن العشرين الصناعية زوال الارتحال الكبير الذي ضعفت قيمتة كثيرا . وهذا3 لا يعني مطلقا ان التقاليد والعادات والأعراف والبداوة ستنقطع عن التأثير في حياة الحضر. انها تمثل حقبة كبيرة جدا من تاريخ هذا الشعب وهذه البلاد

  والى جانب الارتحال الكبير يعتبر الدين ظاهرة اجتماعيه مهمة أيضا في السعودية . اذ ان الملايين السنة في العربية السعودية يدينون كلهم بالمذهب السني , ما عدا ستين ألف قرمطي شيعي في الإحساء . ومن بين المذاهب السنية الأربعة تتمتع الحنبلية مع الحنبلية الجديدة أي وهابي نجد بالغلبه. فالمذهب السائد هو الشافعي وفي الحجاز المالكي . اما المذهب الرابع الحنفي فهو متمثل قليلا في موانئ البحر الأحمر ببضعة الآلف من الإفراد جلهم من الأجانب . هذا وتوجد بعض القبائل المتأخرة - كما يلاحظ كثير من المسافرين - مازال في بعض عاداتها رواسب من الوثنية وخاصة عند الطرف الشمالي من الصحراء الجنوبية الكبرى . وهؤلاء, مع ذلك مسلمون صادقون ومؤمنون يقولون بوحدانية الله ورسالة محمد السامية

  وبين البدو إجمالا , تكونت , جماعات الإخوان الشهيرة . هذه الجمعية الوهابية التي تعتبر أكثر من حركة دينية . انها تؤلف جيشا قويا مخلصا للملك . موزعا على أكثر من مئة مركز حضري . وهي منتشرة أساسا في نجد . وفي حروب ابن سعود ابان تأسيسه للمملكة كان الإخوان يؤلفون جناح المشاة. اليوم , من جديد , بعد خسوف طويل ما زالوا اصلب د عامة للبيت السعودي الحاكم بموجب الحق الإلهي

  اليمن

30-31-32-33-34-

  اليمن هي المملكة الإلهية الثانية ولكنها من نوع آخر تقع في جنوبي غربي الجزيرة العربية , وحدودها موضحة جزئيا , في الشمال مع العربية السعودية وفي الجنوب مع المحميات البريطانية في عدن , والحدود الوحيدة الثابتة هي تلك القائمة على الشاطئ الغربي الذي تغسله مياه البحر الأحمر . اما شرق اليمن فمتشابك مع الربع الخالي , في منطقة الرمال المتحركة , البحر الصافي ( البحر الصافي ). وعدم اتضاح الحدود خاصة في منطقة الجنوب الشرقي حيث تجاور الإمامة محمية عدن , أدى إلى خلاف عمرة أربعون عاما يشتد من وقت إلى وقت آخر

  في مثل هذه الظروف , ليس هناك مجال لإعطاء رقم دقيق عن مساحة اليمن وقد وزع مندوب اليمن في هيئة الأمم المتحدة عام(1947) نشرة تفيد ان مساحة اليمن هي مئة وعشرون ألف كيلو متر مربع ومراجع أخرى رصينة جدا تعطي أرقاما تتراوح بين ستين و مئه وخمسة وتسعين ألف كيلو متر مربع . واعتقد إننا أذا أخذنا بعين الاعتبار الجزء الصحراوي من البلاد و يمكننا الاحتفاظ بالرقم مئة ألف كيلو متر مربع كاتساع ((للبلد النافع )).

  في اليمن كالمكسيك تماما ثلاث مناطق طبيعية هي الأراضي المنخفضة غير الصحية ذات المناخ الحار في تهامة التي تحاذي البحر الأحمر بعرض لا يزيد على الخمسين كيلو متر ا, والأراضي العالية المؤلفة من الهضاب المرتفعة التي تعلوها قمم يزيد ارتفاعها على ثلاثة آلاف وخمسمائة متر ,والأراضي المتوسطة وهي الهضبة الشرقية التي تنخفض ببطء شديد نحو الصحراء . وتهامة هي منطقة شبة صحراوية تظم بعض المسافات الفائقة الخصب والمزروعات تأخذ للري من مياه الجوف . والمدينة الوحيدة الهامة في هذه المنطقة هي ميناء الحديدة , على البحر الأحمر و مقر حاكم تهامة , ولي العهد الأمير بدر . والى الجنوب منها مينا((مخا)) القديم الذي أعطى أسمة لأقدم قهوة في العالم وقد بقى مهجورا لمدة طويلة. وفي عام 1955 كلفت الحكومة اليمنية بإعادة بنائه شركة الباتينيول الفرنسية التي سبق لها وقامت بنشاط ملحوظ في جبوتي , فبنت رصيفا ونظفت الأحواض من الرمال . ومؤخرا طلب الإمام من الروس ان يبنوا له مرفأ شمالي الحديدة . وعلى كل حال فان المقصد هو التخلص من ضرورة المرور في ميناء عدن الخاضعة للاستعمار البريطاني

  وفي موازاة تهامة تشكل منطقة الهضاب المرتفعة سلسة يتراوح عرضها بين المئة و المئة والخمسين كيلو مترا, تتساقط فيها الأمطار بكميات فائقة وهذه المنطقة في اليمن هي من اكبر المناطق خصبا وأكتفها سكانا . والمناخ المعتدل والصحي فيها يفسر كثافة السكان المرتفعة في الريف والمدن على السواء , وفي قسم هذا القسم من البلاد تقوم المدن الكبرى ومن بينها العاصمة القديمة صنعاء , والعاصمة الحالية تعز و مكانه مسقط رأس العائلة المالكة ,و زبيد وطن الجبر , وضمر وأب .. وفي هذه المدن بالذات ازدهرت حضارة الجنوب العربي هذه الحضارة الفريدة التي ما زال فنها الهندسي الرائع شاهدا عليها

 اما المنطقة الثالثة والأخيرة من المناطق الطبيعية في اليمن فتتألف من هضبة فسيحة موازية أيضا لتهامة والسلسة الجبلية . وهي تبدأ على مسافة مائتين وخمسين كيلو متر أ تقريبا من البحر الأحمر , وعلى ارتفاع يزيد على ألفي متر , ثم تنحدر رويدا رويدا نحو الشرق حتى تضيع بين رمال الربع الخالي . ومناخها المعتدل يجعلها صالحة للزراعة النباتات الأوربية كافة . وآخر مدينة يمنية قبيل الصحراء هي مأرب , أكثر المدن شهرة في المنطقة وربما في كل الجنوب العربي . وهي معروفة بسدها العظيم المنهار الذي يعود تاريخه إلى بعضة آلاف من السنين , وببقايا مدينة قديمة مطمورة يعتقد انها كانت عاصمة مملكة سبأ . في عام 1951 . حصل واندل فيليبس , العالم الأثري الأمريكي , على أذن بالتنقيب عن الآثار . ولكنة سرعان ما أوقف عمله بسبب تهديدات السكان والسلطات , وإذا اعتقدنا صحة المعلومات المنشورة فالنقيبات الأولى تدل على ان تاريخ بناء المدينة يعود إلى ألف الأول قبل الميلاد . وقد تدل الحفريات فيما لو توبعت . على ان تاريخ بنا المدينة هو أقدم من

(3)  

"الجنوب العربي "البريطاني

35-36 -37

"يجب ان أسارع الى القول بان إلحاق الصفة البريطانية . بالجنوب العربي لا ينطبق كما في الحال في الملايو" البريطاني انه تعبير يستعمل لوصف منطقة معقدة مازال النفوذ البريطاني فيها على أشدة له الكلمة الأولى إلى الجنوب من اليمن والربع الخالي, على طول خليج عدن والمحيط والهندي, تسيطر بريطانيا على حزام عريض من الأرض تزيد مساحته على مائتين وتسعين ألف كيلو متر مربع أي ما يقارب مساحة الجزائر الشمالية. ان محمية عدن التي نضم المستعمرة الصغيرة التي أعطتها اسمها , تمتد من باب المندب او باب جهنم حتى" رأس ضربة علي " على حدود ضفار , احدى مناطق عمان . وتقسم محمية عدن إداريا إلى قسمين غير متساويين , يتناسبان بدون تدقيق مع الفوارق السلاليه والتاريخية والجغرافية . المحمية الغربية بسكانها الأربعمائة ألف ومساحتها التي نزيد عن مائة ألف كيلومتر مربع , ذات ترابط وثيق " بالنواحي التسع " التي فصلت عن اليمن في القرن الثامن عشر . وهي من حيث الشكل الطبيعي والسكان تشبه الأراضي اليمنية المجاورة لها . وتضم ثلاث مناطق مناخية : ساحل شبة صحراوي , منطقة جبلية ذات زراعات في" الجول" وهضاب مرتفعة تعلوها القمم, تنحدر نحو الداخل الشمالي - الشرقي في الربع الخالي . وجميعهم يدينون بالمذهب السني الشافعي , وجلهم من الحضر . أما البدو الرحل الذين يصادفون في الشمال الشرقي فيتبعون, بالأرجح,المحمية الشرقية . ان البدو الأحرار المتنقلين , لم يكترثوا يوما بالحدود التي تقينها أدارة أجنبية , طالما أنهم يستطيعون ان يقفزوا فوقها ويتخطوها
على الرغم من المحمية الشرقية أوسع فان سكانها اقل عددا . انها تغطي مساحة تتراوح بين مئة وثمانين ومائتي ألف كيلو متر مربع وسكانها لا يتجاوزون ثلاثمائة وخمسين ألف نسمة . وهي مؤلفة من مجموعة حضرموت , وبلاد البخور والتوابل الأسطورية , ومهرا التي تتعلق بها جزيرة سوقطرة , والقسم الأكبر من المحمية الشرقية هو صحار وجبال مجدية تتخللها الأودية . وأما المنطقة الساحلية فهي أضيق من تهامة وتحدها السفوح الصخرية لسلسلة ساحلية , وهي الأخرى ضيقة ومحاذية لهضبة كلسية صحراوية يتراوح ارتفاعها بين خمسمائة وألف مائتي متر. وهذه الهضبة القاحلة نشكل بوادي فسيحة جرداء تتخللها شبكة معقدة من الأودية العميقة . وأعمق هذه الأودية وادي حضرموت, الظاهرة الجغرافية التي الأهم في المحمية الشرقية وهو يقسم بعرضه الذي يبلغ عشرة كيلومترات الهضبة الكلسية إلى قسمين على طول مئة كيلومتر بين الصحراء والبحر . وأما الأودية الأخرى فكلها فروع له, سواء أكانت متجهة نحو المحيط او نحو الصحراء , والحياة الحضرية ليست ممكنة إلا في أعماق هذه الأودية ذات الجوانب شبة العامودية. والخاصة الأخرى , الجغرافية الكبرى , في حضرموت تمكن في مدنه ذات ناطحات السحاب التي تعود في تاريخها إلى أيام الازدهار القديم . ومدن نملا و الشحر, سيؤن , تريم , او شيبام , أدهشت وأذهلت المسافرين , حتى الذين اعلموا مسبقا بها , وقد صادفوا هذه الهندسة الدقيقة في قلب الصحاري الميتة , هذه المدن الكبرى تشير إلى الحضارة وطرق حياتية مدنية عريقة وذلك جنبا إلى جنب مع حياة بدوية متأخرة اذ ان خارج المدن ما زال القسم الأكبر من السكان يعيش حياة البداوة في المدن وعلى الساحل يمكننا ان تميز بجلاء وجود أقليات افريقية زنجية وعلى الأخص هندية او " ملقية". وهذا العنصر الأخير قد أدخلة إلى المنطقة سكان حضرموت أنفسهم الذين يهاجرون منذ القرن السادس , باستمرار إلى جزر الهند الشرقية حيث يتزاوج بعضهم . أما بدو حضرموت فيختلفون عن حضر بين سكان المدن الجبلية في الغرب أكثر من بدو القسم الشمالي والمتوسط من الجزيرة العربية. أنهم ذوو بشرة كالحة السواد دون ان يكون لها أي من الخصائص الزنجية , يسيرون نصف عراة , حاسري الرأس , ويطلون أجسامهم بالنيل , الأمر الذي يسبغ عليهم شكلا قريبا ازرق قاتما
والسكان جميعا هنا يدينون المذهب السني على الطريقة الشافعية . إلا ان البدو الرحل قليلا ما يهتمون بالدين , من جراء متاعب الحياة القبليى القاسية , أنظمة الصحراء الصارمة . والطوائف التي تخالف الإسلام في طريقة تعبدها متعددة و ويمكننا ان نذكر بصورة خاصة التقديس الذي تحاط به قبور أشخاص اعتبروا قديسين وفي هذه المحمية الشرقية من عدن يبد التفاوت اللغوي " واضحا " فهناك يتكلم السكان بالإضافة إلى اللغة العربية التي تفهم بصعوبة "الملقية" والهندوستانية والسواحيلية في العائلات التي أقامت فترة طويلة في اندونيسيا او في إفريقيا الشرقية . وفي مهر ما زالت شائعة اللهجة القديمة للجنوب العربي . اما في جزيرة سوقطرة وجوارها , فالاثنا عشر ألف نسمة الذين يسكتونها بين صيادين وأبناء الكهوف , يتكلمون لهجة خليطه بين المهرية واليمنية , ولكنها تختلف عن الاثنتين . الجزيرة التي تبلغ مساحتها ما يقرب من خمسة وثلاثين إلف كيلومتر مربع , بقيت بعيدة عن موجات الغزو وتيارات المدنية لصعوبة الوصول إليها بصورة عامة , ولا ستحالته عندما تتعرض للرياح الموسمية

المستعمرة

38- 39

لا تزيد مستعمرة عدن من حيث المساحة على مائتي كيلومتر مربع , ومع ذلك فهي هامة جدا لأنها قاعدة لأراضي فسيحة وتتألف المستعمرة من مرفأ الصياديين القديم الذي أصبح مدينة ومرفأ له صفة دولية , ومن شبة جزيرة صغرى ومن حزام من الأرضي الرملية التي نشرف عليها صخور بركانية . ويشكل المجموع ميناء طبيعيا ممتازا , وهو الوحيد على طول ساحل الجنوب العربي . وقد احتلتها القوات البريطانية في عام 1839 , و أصبحت عدن مستعمرة تابعة للتاج البريطاني منذ عام 1936 وألحقت بها جزر قمران وبريم التي تحمي مدخل باب المندب قي البحر الأحمر. وسكان المستعمرة الذين قدر عددهم في عام 1956 بمائة وخمسين ألف نسمة , هم عرب في أكثريتهم الساحقة بين عدنيين وقادمين من المحمية واليمن . ويوجد في المستعمرة أقليات مهمة من الهنود والباكستانيين والصوماليين . وكان غير العرب يشكلون عام 1950 عشرين بالمئة من السكان , ولكن هذه النسبة هبطت كثيرا فيما بعد , ومازال هبوطها مستمرا لأن الزيادة في السكان تعود على العموم إلى الهجرة اليمنية الجماعية إلى المستعمرة للعمل فيها

الجبلي والاحتكارات الملكية

160-161-162

في اليمن مظهر من مظاهر النظام السياسي والاقتصادي لا يمكن تجاهله هو الاحتكار العملي لجميع المبادلات التجارية الخارجية , وقد استطاع " تاجر" واحد وهو الحاج علي محمد الجبلي , ان يصل في بعض سنوات الى مركز فريد , مشركا الإمام في كل صفقاته , لقد أحيا في الإمام حب المال , بعد ان أشركه بنسبة راجحة في كل الصفقات التجارية . وبفضل الثقة الملكية أصبح هذا التاجر ممثلا شخصيا للإمام في كل ما من شانه ان يدخل في نطاق الاقتصاد والتجارة . وهكذا أصبح الجبلي الشخص الرئيسي في اقتصاد اليمني. انه يشرف مع شريكه الإمام على تجارة البلد الخارجية ويحتكران معا التبادل التجاري الداخلي مثل جمع الجلود والقات والبن وجميع المنتجات المعدة للتصدير. ويزيد في سهولة ذلك ان الجبلي يسيطر أيضا على وسائل النقل . وهو علاوة على ذلك يؤمن استيراد القمح والسكر والرز والبترول والمنسوجات وجميع الآلات المصنوعة التي تحتاجها اليمن . وهذه السيادة المطلقة للرجل الذي احتكر ثقة الإمام لها مبررها فقد استطاع صاحبها ان يثر اهتمام احمد الجن في كل صفقاته . والمراس الطويل جعله يعرف معرفة تامة السوق الداخلي . وزوال حظوته الذي أعلن عنه مرارا كان يكذب دائما. فالإمام لا يستطيع إلا بصعوبة زائدة ان يقرر التخلص من هذا المساعد المفيد. ومع ذلك فإن العلاقات الاقتصادية الجديدة التي أقامتها اليمن في السنوات الأخيرة , تهدد الى حد ما بتحوير التبادل التجاري اليمني , فالاتفاقات المعقودة مع روسيا السوفيتية والبلدان الشيوعية الأخرى علاوة على المساعدة الفنية والمالية تستهدف تزويد اليمن بكل ما يلزمها من تجهيزات . وعمليا كانت بداية المساعدات السوفيتية- الشيوعية شحنة من الأسلحة الحديثة الى اليمن . وبعد عدة أسابيع انفجرت في الجنوب العربي اعنف اضطرابات عرفها منذ أربعين سنة
ومهما يكن من أمر حقيقة المساعدة السوفيتية فإن الولايات المتحدة لم يكن في إمكانها إلا ان تقوم بعمل معاكس . في شهر أيلول سنة 1957 وصلت بعثة اقتصادية أمريكية الى صنعاء لتعرض على الإمام مساعدة مالية قدرها مليون دولار للسنة الأولى , وقد قبل هذا العرض من جانب الإمام مع الشكر في البدء ثم أعلن رفضه له فيما بعد, مؤكدا أنه (( يفضل الاستقلال مع البؤس على التبعية مع الرفاهية)).
وهو بذلك يتجاوب مع الرفض المتعالي عام 1947 للمساعدة الأميركية , الذي أطلقه بعنفوان الإمام الراحل يحي , إذ قال :( ( أفضل أكل العشب على رؤية الأجانب في بلدي يحصلون على امتيازات لاستثمار خيراتها )). ومع ذلك دخلت الدول الكبرى في معركة عنيفة من اجل الامتيازات في اليمن ومن اجل أسواقه . ونتائج انقسام العالم الى كتلتين متناحرتين متنافستين ولم توفر قمم العربية السعيدة . غير ان اليمن وقد تعلمت مبادئ( الحياد) عرفت كيف تدفع العملاقين الأمريكي والسوفيتي الى التنافس .. لتحصد هي الثمار. ترى هل يحل المبدأ الجديد في السياسة الخارجية محل الانعزالية التقليدية.
ليس الأمر سهل التأكيد. وإذا عدنا قليلا الى الوراء تذكرنا ان اليمن صاحبة سوابق في حقل الحياد. ففي فترة ما بين الحربين العالمتين , كان الإمام يحي قد قبل شاكرا, الصداقة الخطرة التي عرضتها علية كل من ايطاليا موسوليني , روسيا السوفياتية لمواجهة الضغط البريطاني على بلاد ه . وعندما اعتقد الايطاليون الفاشستيون انه أصبح في إمكانهم التصرف بشؤون اليمن كما يشاؤون , لم يتردد الإمام في ان يبتسم للانجليز. المهم في نظر سادة المملكة اليمنية العريقة ان لا تحتكر دولة مهما عظمت , صداقة اليمن وحدها خوفا من ان تدعى حمايتها . والإبقاء على توازن مستمر هو ضرورة قصوى لتخرج اليمن من الانعزالية تجد تفسيرها في التاريخ أكثر مما تجدها في العنفوان الذي يتحلى به جبليو العربية الخضراء

العزلة اليمنية

163-164

في الحجة قطع جلاد الإمام في الثالث عشر من نيسان سنة 1955, بفأسه رأس الأميرين المتآمرين عبد الله وعباس. أما المتآمرون الآخرون فدقت أعناقهم في حفلة عامة. والصور الدامية لهؤلاء المذنبين , تباع اليوم في أسواق اليمن ببضعة (بوكشاس) . وفي خطابة الذي ألقاه في الثلاثين من تموز لمناسبة العيد الكبير صرح الإمام بان عبد الله كان قد اعد مشروعا يعطي نهائيا محمية عدن للبريطانيين وفتح اليمن أمام الأمريكيين لأمركتها , وثمنا لهده الخيانة دفع عبد الله حياته , وهذا منتهى العدالة , وبعد مضي ثلاثة أشهر منح الإمام الامتياز البترولي الذي تحدثنا عنه للشركة الأميركية (شركة التطوير اليمنية) . ووصف عمله هذا بأنة تاريخي . ثم خلال سنة 1956, توجه الأمير البدر, ولي العهد , الى الاتحاد السوفيتي, ألمانيا الشرقية , و تشيكوسلوفيا , ليعود بحفنة من الاتفاقيات والوعود لتقديم المساعدة للبلد . والخبراء الأميركيون , و السوقيات , والايطاليون والألمان ,والدوليون, يفدون تباعا إلى اليمن بأعداد متزايدة . وعادت مشروعات قديمة متواضعة لترى النور . ترى هل سيسمح الإمام احمد باستمرار هذا الغزو السمي لبلده يقوم به أجانب مارقون؟
قبل الإجابة على هذا السؤال الهام بالنسبة لليمن يجب ان نشرح تاريخيا سياسة سور الحذر الذي يطوق البلاد لنقدر قيمته وأهمية . وإذا فتنا عن سبب هذا العداء اليمني للأجانب وجدناه في الجهل الذي ساعدت العزلة على ترسيخه إراديا. وأنا لا اعتقد ان الفلاح اليمني أكثر عداء للأجانب من الفلاح ( اوكرنيا) رغم ما لديه من أسباب موجبة لذلك, وقد اضطر سكان الجنوب العربي الشجعان ان يدافعوا عن بلدهم الصعب المسالك ضد الكثيرين من الغزاة والطامعين , مجندين بقيادة أمرائهم إلى المعارك عنيفة دامية خلال القرون الطوال , الأمر الذي جعلهم سديدي الحذر من كل أجنبي. (والأجنبي ) كما يقال المثل اللاتيني القديم عدو . وفي مجتمع لم ير من الأجنبي سوى الجشع والطمع والرغبة في الاحتلال والسيطرة لا يستغرب إذا أصبح الحذر غريزيا في النفس . بل لا يستغرب أيضا أذا دفع إلى إقفال الباب , وتحريم البلد على أولئك الذين لا ينتظر منهم أي شيء حسن خير. وإذا تذكرنا ان هذا البلد مؤلف من جبال شاهقة محاطة بسواحل شبة صحراوية , صعبة المسالك , أدركنا لماذا تحولت الانعزالية طريقة حياة , بل قانونا ودستورا في اليمن . حتى ان مندوب هذه الدولة في هيئة الأمم المتحدة قال مرة ان الانعزالية التامة توجه سياسة جلالته). ولكن ترى هل يوجد في العالم مبادئ في إدارة الرجال والثروات و لا يستطيع الزمن ان يؤثر فيها ويغيرها ؟ لقد فتحت ثغرة كبرى في ( السور الكبير) الذي يقفل اليمن وكما حدث بالنسبة لسد مأرب من الممكن ان تؤدي هذه الثغرة الى انهيار تاما . ان العلم والتكنيك شيئا فشيئا يصدعان ما تبقى من السور ويفسخان الكتلة الصلبة المتراصة كان يستند إليها الأئمة الزيديون . وفي عام 1957 م. عقد الإمام أول مؤتمر صحفي له و أمامه ثلاثين صحفيا أجنبيا تقريبا . وكان ذلك العمل في حد ذاته هاما بسبب الزاوية الجديدة التي نظر الى الأمور من خلالها . إنها علامة التقدم ودليل التطور والاستمرار ومضاعفة الجهود. وهذا الاستمرار والتطور وحدهما يمكنهما ان يعطيا لذلك معنى حقيقيا . وفي هذا المضمار علينا ان لا ننسى البعثات الأجنبية – الايطالية والسوفياتية بصورة خاصة – في فترة ما بين الحربين ومما يلاحظ أن الإمام بهذا الصدد متردد فهو يقدم ويحجم . وبعد ان منح امتيازات ,او فتح باب العمل أمام الأجانب و تراجع كأنه خائف , أمام النتائج . وقد مر بهذه التجربة فريق من الأطباء الفرنسيين كان قد قدم إلى صنعاء بناء على طلب الأمام ولما وصل وجد نفسه ممنوعا من دخول اليمن بناء لأمر الإمام نفسه

(11)

محمية عدن

180-181

ان ما يسميه البريطانيون محمية عدن هو في الواقع مجموعة من أراض متداخلة , متباينة المساحة متشابهالنظم السياسية تقريبا. والوجود البريطاني هو الذي هنا كان عامل التجانس بين مجموعة أمارات, وقبائل, وعشائر, تعيش فبالاكتفاء الاقتصادي والفوضى السياسية, والتجانس الظاهر في العنصر والدين واللغة بين السكان هذه المنطقة لم يمنع استمرار الانقسامات التي كان من أولى نتائجها هذا الصراع الداخلي المستمر وعندما توصل ضابط الاستخبارات البريطانية , هاورد انغرام و عام 1937, الى توقيع اتفاق سلم يحمل أسمة , كان علية ان يجمع في منطقة حضرموت ,وحدها أكثر من ألف وأربعمائة توقيع . وتبلغ مساحة محمية عدن حوالي ثلاثمائة ألف كيلومتر مربع و أي ما يعادل على الأقل مساحة شمالي الجزائر. بين رأس الشيخ سعيد على باب المندب ورأس ضربة علي على الحدود ضفار. وتمتد الأراضي التي تسيطر عليها بريطانيا على طول ألف ومائتي كيلومتر من الشاطئ القاحلة المجدبة.. تحدها في الداخل من الغرب الجبال اليمنية والربع الخالي من الشمال الشرقي والجار السعودي بعيد , لان رمال الربع الخالي الشاسعة تفصل بينهما , أما الجار اليمني على العكس من ذلك قريب ويثبت وجودة في كل وقت. برزت محمية عدن رسميا من الوجهة السياسية بناء على مرسوم ملكي صادر في الثامن عشر من آذار سنة 1937, هي مقسمة إداريا الى قسمين و تجاوبا مع بعض الحقائق التاريخية غير واضحة:
أولا المحمية الغربية ( مئة ألف كلم مربع) وتتألف من أراض كانت معروفة فيما مضى بالمقاطعات التسعة , ومازال أئمة اليمن يطالبون بها حتى اليوم بوصفها جزءا لا يتجزأ من اليمن . والمحمية الشرقية (مئتا ألف كيلومتر مربع) وتضم حضرموت ومقاطعتين اصغر منها هما الو احدي ومهره. وأما جزر سوقطرة, وبروذر في المحيط الهندي فتتبع سلطنة مهره. و القسم الثالث في التقسيم الإداري البريطاني, هو مستعمرة التاج, ولا تمثل هذه سوى جيب صغير في المحمية الغربية وترفع توابعها بريم وقمران في البحر الأحمركوريا موريا مساحة مستعمرة التاج الى مائتين وسبعة كيلومترات مربعة . إنها مجرد محطة تزود السفن المسافرة من الهند واليها بالفحم , وقد وجدت عدن نفسها منذ أول نيسان سنة 1937مستعمرة تابعة للتاج البريطاني وفي الوقت الذي ولدت فيه المحمية التي حملت الاسم نفسه , وحاجة بريطانيا الى عدن من اجل تامين مواصلاتها , هي التي دفعت الانجليز الى تنظيم الداخل وربطة بالمستعمرة. وحتى اليوم ما زالت مستعمرة عدن العاصمة الإدارية والاقتصادية للمحمية كلها , والتنقيب المستمر عن البترول يعطيها قيمة جوهرية ذاتية تضاف الى أهميتها الإستراتيجية

والاقتصادية