orientpro

عهد الشرق


هل ستسمح القوى الكبرى للربيع العربي أن يُثمر؟


لا شك أن الثورات العربية أخذت القوى الكبرى، وخاصة في الغرب على حين غرة بشهادة بعض وكالات الاستخبارات الغربية الرهيبة التي فشلت في استشراف الربيع العربي، كما فشلت نظيراتها العربية بالرغم من سطوتها الرهيبة. لكن الفشل الغربي في استشراف الحراك العربي المباغت الذي فجره بائع متجول في تونس لا يعني أن الغرب ليس لديه الاستراتيجيات والوسائل لإبقاء المنطقة العربية تحت سيطرته حتى لو ثارت عن بكرة أبيها.

لا أقول هذا الكلام لتحبيط الثوار في بلدان الربيع العربي أو للتقليل من أهمية الثورات العربية وقيمتها، بل لأوضح كيف أن منطقتنا المبتلية بإسرائيل والنفط والموقع الاستراتيجي العظيم لن تستمتع بربيعها كما تطمح شعوبها أو نخبها أو قادتها الجدد، لأن استمتاعها يجب أن يكون حسب مسطرة حكام العالم، وليس رغماً عنهم. ولا شك أن مراكز البحوث ووكالات الاستخبارات الغربية ما انفكت منذ انطلاق الشرارة الأولى للثورات العربية تعمل على هندستها وتوجيهها حسب مصالحها، وليس حسب مصالح شعوب المنطقة الثائرة.

قد يقول لنا البعض إن الغرب لن يستطيع الوقوف في وجه أي شعب يريد أن يتحرر ويتقدم، وهذا طبعاً نوع من التفكير الرغبوي لا أكثر ولا أقل, فلنكن واقعيين، هل يمكن لأمة في هذا العالم أن تتقدم إذا لم يتم إعطاؤها الضوء الأخضر والأخذ بيدها من قبل سادة العالم؟ بالطبع لا. قد تذكرون في هذا السياق كوريا الجنوبية أو حتى اليابان اللتين حققتا نهضة حضارية وتكنولوجية هائلة. وهذا صحيح، لكن تلك النهضة لم يكن لها أن تتحقق لولا المباركة الأمريكية تحديداً، فلا ننسى أن أمريكا هي من وضعت أسس النهضة اليابانية الحديثة ليس علمياً فحسب، بل أيضاً قانونياً واجتماعياً. ولعلنا نتذكر أن الأمريكيين هم من وضع القوانين لليابانيين كي يعيدوا توزيع أراضيهم وتنظيم مجتمعهم. ولولا الخبرات العلمية الأمريكية لما حققت اليابان نهضتها التكنولوجية الرهيبة. ولعلنا نتذكر هنا أن براءات الاختراع اليابانية في العالم ليست بالكثيرة أبداً، فمعروف عن اليابانيين أنهم يأخذون البراءات الغربية، ثم يتفننون في تصنيعها كما فعلوا مع التلفزيونات والكاميرات والسلع الالكترونية الأخرى. وكذلك طبعاً الكوريون الجنوبيون الذين لولا المساعدة والمباركة الأميركية لما تقدموا بهذا الشكل المذهل. ولو أرادت أمريكا وضع العصي في عجلات كوريا الجنوبية مالياً أو اقتصادياً لما كانت كوريا على ما هي عليه الآن.

قد تقولون إن الهند الفقيرة تتطور بشكل متسارع. وهذا صحيح، لكن يجب أن لا ننسى أن صناعة برامج الكومبيوتر الأميركية أو ما يسمى بـ"السيليكون فالي" انتقلت إلى الهند بمباركة أمريكية. وإياكم أن تقولوا إن إيران تمردت على سادة العالم وتقدمت، فهذه مجرد كذبة كبيرة. ولعلنا نتذكر أن واشنطن هي من سلـّم العراق لإيران على طبق من ذهب بعد أن جعلت أمريكا من إيران ضرورة استراتيجية لها ولإسرائيل في المنطقة. ولعلنا نرى الآن كيف يتلاعبون بإيران من خلال العصا والجزرة، وكيف جعلوا العملة الإيرانية برخص التراب بسبب العقوبات الاقتصادية، كلما حاولت إيران أن تلعب بذيلها، وتحيد عن الخط المرسوم لها.

وبالرغم من أن باكستان استطاعت أن تصنع قنبلة نووية، إلا أنها مازالت في الجيب الأمريكي الصغير عسكرياً وسياسياً، مع العلم أن هناك ديمقراطية في باكستان تحتاج الدول العربية لعشرات السنين لمضاهاتها. ولا ننسى أن كل ما حققته فيتنام من ثورتها وانتصاراتها الداخلية والخارجية أنها تحولت إلى مركز لتصنيع السلع الأميركية كالأحذية الرياضية والملابس. بعبارة أخرى، فإن التحرر السياسي من الطغيان جراء الربيع العربي، والدخول في عصر الديمقراطية في المنطقة العربية ليس العلاج الوافي الشافي للمشاكل والأزمات العربية، فحتى الأنظمة الديمقراطية العتيدة في العالم ليست مستقلة تماماً. ويتهكم البريطانيون وهم أصحاب أعرق ديمقراطية في العالم بأن بلدهم ليس أكثر من حاملة طائرات أمريكية. ولا بد أن نتذكر أيضاً كيف استطاعت القوى الغربية الكبرى أن تعاكس إرادة الشعب النمساوي قبل سنوات، وكيف فرضت عليه التخلي عن زعيمه المنتخب يورغ هايدر رغماً عنه لأنه كان متهماً بمعاداة السامية. بعبارة أخرى، حتى الديمقراطيات العتيدة ليست متحررة تماماً من الهيمنة الأميركية، فما بالك بديمقراطياتنا العربية الناشئة التي مازالت تحبو، ولا ندري إذا كانت ستقف على رجليها يوماً أو لا.

قد تقولون إن الصين تتحدى الغرب، وربما تحل محله في السيطرة على العالم يوماً ما. قد يحدث ذلك في المستقبل البعيد، لكن رغم قوتها البشرية والاقتصادية الجبارة إلا أن الصين ما زالت تحت الإصبع الأميركي، بدليل أن أمريكا أعطتها الأفضلية كشريك تجاري. ولو سحبت أمريكا من الصين ذلك الامتياز، لعانت الصين كثيراً. ويقول خبير في الشأن الصيني: "رغم كل الكلام عن التنافس بين أمريكا والصين دولياً، إلا أن العلاقة بين واشنطن وبيجين علاقة التابع والمتبوع، وفي أحسن الأحوال علاقة تحالف وطيد". زد على ذلك، أن هناك الكثير من نقاط الضعف الصينية القاتلة التي يمكن لأمريكا أن تهز الصين من خلالها. هل تتذكرون مرض "السارس" الذي حل بالصين قبل مدة؟

فإذا كانت العلاقة بين أمريكا والقوى الكبرى الديمقراطية وغير الديمقراطية علاقة تابع ومتبوع، فلا أعتقد أن ديمقراطياتنا الربيعية الناشئة ستحررنا أوتوماتيكياً من التبعية للغرب وغيره. فبالرغم من أن الثورات جعلتنا نشعر بالغبطة للتحرر من الطغيان، إلا أنها لن تجعلنا أحراراً دولياً، خاصة وأن هناك ألف مرض ومرض داخل بلدان الربيع العربي يمكن للغرب أن يستغله ويعيدنا من خلاله إلى نقطة الصفر، ناهيك عن أننا مازلنا نستورد من الغرب من الإبرة حتى الطائرة، ناهيك عن أننا لم نتمكن بعد من صناعة غذائنا وملابسنا الداخلية. لاحظوا كيف ينجّرون الخوازيق الاقتصادية والسياسية والأمنية والإعلامية الآن للقيادة المصرية الجديدة، وبنجاح واضح، كي لا تحيد عن الخط المصري التقليدي التابع للغرب. وللعلم، فإن مصر هي أكبر وأقوى الدول العربية، فما بالك بالصغيرة والضعيفة. وقد جاءت رسالة الرئيس المصري الجديد للرئيس الإسرائيلي لتؤكد أن الربيع العربي ربما حررنا من الطواغيت، لكن ليس من الهيمنة والتبعية للقوى الكبرى. لاحظوا كيف عادت الصحافة الأميركية إلى كلام للرئيس مرسي قاله قبل سنوات ضد إسرائيل كي يبتزوه به الآن، وفعلاً نجحوا عندما جعلوا الرئيس يقول إن كلامه مجتزأ ولم يقصد به الإساءة.

لا ننسى أن شريعة الغاب هي من تحكم العلاقات الدولية، وليس الديمقراطية، فلا ديمقراطية في العلاقات الدولية. وبما أننا مجرد أرانب، أو في أحسن الأحوال غزلان في الغاب الدولي، فلا شك أننا حتى لو تحررنا من أوكارنا وزرائبنا التي كنا نكابد داخلها، وخرجنا إلى حديقة الحيوانات الأوسع، إلا أن الحديقة لن تحمينا من الوحوش الكاسرة التي تهيمن عليها.

لكن بالرغم من تلك الحقيقة المرة، فهذا لا يقلل من قيمة الثورات العربية، فحتى الأسياد يزيد احترامهم للعبيد عندما يتمردون. وهذا سيحسن لنا على الأقل "شروط التبعية. نرجو أن نكون على خطأ في هذا الطرح، وأن يحقق الربيع العربي أكثر من تحسين "شروط التبعية" كما يسميها فيصل جلول، وأن يكون بداية طيبة لما يسميه الرئيس التونسي منصف المرزوقي بـ"الاستقلال الثاني". فهل ستسمح القوى الكبرى لربيعنا العربي أن يثمر ازدهاراً اقتصادياً وديمقراطية داخلية حقيقية حتى لو كانت تابعة للغرب؟؟؟

بقلم : د. فيصل القاسم