orientprp

عهد الشرق


(3)

 

عام على الثورات العربية

كل الدكتاتوريات رغم تنوعها تقع في الوحل

 

هؤلاء هم العدميون

العدمية قراءة لمفهوم يتعلق بالزمن، فالمعروف أن الزمن الفيزيائي يمتد من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، والعدميون هم الذين يقفزون على أحد هذه المستويات. إن من يقرأ التاريخ قراءة استطراد بين الماضي والحاضر والمستقبل، فإنه إنما يقرأ التاريخ بروحية التفهُّم والتمثُّل لنواميسه، أما الذين يقرأون التاريخ من خلال القطيعة مع الماضي، أو عدم التطلع إلى المستقبل، أو من خلال الإقامة في الماضي، أو الاعتقاد بأن الحاضر قد أنجز كل شيء.. هؤلاء هم العدميون. هؤلاء هم الذين يقومون بتقطيع أوصال الزمان، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال المكان، ويؤدي إلى إنكار الترابط بين الأجيال، فتنتفي المعاني، وتزداد الحيرة، ويصبح الاشتباك غير الحميد مع الذات والآخر سمة سائدة في المجتمع. ولهذا السبب أرى أن ظروف التحولات الكبرى التي يشهدها العالم العربي، واليمن ضمناً، اختبار كبير لمثل هذه الأسئلة.. وهي في سائد أوضاعنا تعكس نوعاً من الإستدعاء السلبي للزمان والمكان، مزاجها إقامة سلبية في الماضي، وتشويه للحاضر، ونُكران للمستقبل.
لدينا مشكلة حقيقية في الثقافة العربية.. تتلخّص هذه المشكلة في سيادة ثقافة الاستدعاء للماضي، بمقابل انتفاء ثقافة المراجعة، وهذا النوع من الاستدعاء الميكانيكي الخطّي للماضي ينطوي على وهم كبير، مداه أن الماضي لديه الجواب الجاهز الناجز لكل سؤال عصري، ولكل سؤال مستقبلي، وفي هذا درجة كبيرة من الخطأ الابستمولوجي، والمخاتلة المفاهيمية.. ذلك أن الماضي له إشارات تدل على الحاضر والمستقبل، لأن الماضي سيظل موجوداً في الحياة، وحاضراً بكيفيات مختلفة.. والاستدعاء للماضي إن لم يكن مقروناً بالمراجعة لهذا الماضي، سنجد أنفسنا في منطقة رمادية مُتضببة الرؤية كتلك التي نراها الآن ونحن في ذروة سعير الفاجعة، والحرب المُعلنة بين الظلام والظلام.

بقلم: د.عمر عبد العزيز


الصراع بين الآباء والبنون مستمر

العدمية: ظهر هذا المفهوم بعد أن ظهرت وانتشرت في أوروبا رواية الكاتب الروسي ايفان تورجينيف " الآباء والبنون" الشهيرة ؛ ظهرت رواية بعد عشرة سنوات بعد ان اطلع على الرواية الأخرى المشهورة "كوخ العم توم " للكاتبة الأمريكية المتدينة "هيريت ساتو" , التي ظهرت في أمريكا في عام 1852 ؛ فإذا الرئيس الأمريكي ابرام ليكون اتهم الكاتبة في إنها أشعلت نار الحرب الأهلية في أمريكا لأنها دافعت عن السود واستغلالهم من قبل البيض , فان هذه الرواية قد تركت اثر شديد لدى القيصر الكسندر الثاني, حيث اصدر قرار إنهاء العبودية أو الإقطاعية في روسيا القيصرية عام1861

Abolitionism

تميزا لكاتبان بأنهم منتمين الى حركة إنسانية الدفاع عن كرامه الإنسان في العالم المسيحي, ولكن العبودية لازالت متوغلة في كثير البلدان منها الإسلامية والعربية , فمثلا ألغيت العبودية في أفغانستان في عام 1923 , في الوقت العبودية استمرت في اليمن الشمالية المتوكلية والمملكة العربية والسعودية الى عام 1962 , في اليمن الشمالية بسبب الثورة التي دعمتها مصر الناصرية انتهت العبودية وأما السعودية لأنها في وضع حرج بعد أن قامت الثورة على حليفتها في التخلف أي الإمامة الزيدية في اليمن الشمالي

انتهت العبودية في العراق عام 1924 وإيران بعد أربعة سنوات 1928 , أما قطر في عام 1952 , اما الإمارات العربية المتحدة عام 1963, سلطنة عمان في عام 1970 , وآخر بلد هو موريتانيا صدر قرار بهذا الخصوص عام 1980 . اليمن الجنوبية و مصر و تونس المغرب... لم يعرفوا العبودية للان اغلبهم دول متحضرة متنوعة القوميات والدين من جانب ومن جانب آخر كلها مستعمرات أوروبية سابقة

الشيء المشترك بين الكاتبين هو انطلاقهم من مواقف أنسانيه أولا , وثانيا الروايتين أصبحت من أهم وأفضل ما ألفة الكاتبين رغم الاختلاف الجغرافي والاجتماعي بينهم

للأسف الشديد العبودية عادت في اليمن الشمالية بفضل علي عبدالله صالح الذي تدعمه أمريكا وروسيا والسعودية في القرن الواحد والعشرين

هناك اعتقاد أن مصطلح عدمي الذي وصف فيه بطل الرواية تورجينيف اخذ في الانتشار بشكل واسع, بعد أن خرج الى حيز الوجود روايته التي نحن نحاول تقديمها للقارئ العربي كنموذج لفهم المجتمع الروسي , فشخصية "بازاروف" هي مكونة من عدة شخصيات ترمز للشخصية الإنسان الروسي المتأثر بالنظريات الغربية في تلك الفترة , كما يراها ليس الكاتب فقط , إنما وجه نظر المجتمع الروسي في آنا ذاك من الزمن , مرحلة تعيشها أوروبا الغربية التي تجري فيها حركة غير مسبقة بسب الاكتشافات العلمية والصناعية والفكرية والثورات

ولكن يجب التنويه هنا, أن تورجينيف يقصد بكلمة "عدمي" عندما يتطرق الى شخصية (بازاروف) لان بطل قصته ينفي كل شيء , أي لا يقبل بأي شيء عبر الإيمان الأعمى ,هو لا يعترف بشخصيات لها ثقل في المجتمع من ممثلي السلطة , بازاروف يسخر من كل شيء من ضمنها : العاطفة البشرية ,بل والأدب الذي يخلد الطبيعية والوطنية التي دخلت الى روسيا من الغرب , هو في الوقت الذي يشكك في أهمية الشعر العاطفي لـ- بوشكين التي مليئة بالعاطفة يكره الفن التشكيلي الأوروبي عصر الرينسانس , بالذات هو يسخر من رجال السياسة والبرلمان الروسي , لأنه مشاعرهم غير صادقة حسب اعتقاده, هو يعتمد في كل شيء على عقلة لأنة متعلم ومتخرج من جامعة كطبيب مثل والده الذي كان أيضا طبيبا في الجيش الروسي , عند بازاروف لا مجال ووقت لعواطف, الذي كان يطغي على المجتمع الروسي عكس الغرب , يجب العمل بلا كلل ضد الرتابة والكسل , هو يعبر عن حالة تمرد بالنسبة للمجتمع الروسي , يرفض الجمود المرتبط بالقيم الدينية والأخلاقية التي فيها الكثير من النفاق , بازاروف علمي ومادي متطرف, هذا النموذج يتطابق فيما بعد على فئة جديدة في المجتمع الروسي ليس من الطبقتين المدنيين والقرويين , هذه الفئة تسمى " نارودني" الأمة منهم يظهر فئة الفوضويين

إذا, الكاتب قسم المجتمع الروسي الى قسمين علمي وحدسي : علمي أي براغماتيك , وحدسي يعيش بالفطرة والعقائد الدينية

ولكن فكرة الفوضى التي يمثلها بازاروف حسب تورجينيف غير قابلة للعيش في المجتمع الروسي لهذا هو قتل بطلة بعد ان تسمم , تورجينيف اعتقد بأنه لا يمكن تغيير الواقع الروسي لأنة يعيش في مرحلة متخلفة مقارنة مع الغرب الأوروبي, فآخر بلد انتهت فيه العبودية في أوروبا هي روسيا القيصرية في عام 1861

كانت الطبقة الحاكمة من الإقطاعيين ملاكي الأراضي هي الغنية بل الأمس, واليوم أيضا الطبقة الحاكمة هي التي تملك أدوات الإنتاج والأرض بل الموارد الطبيعية هي التي تتزايد أموالها وسلطتها بكل سهولة
الطبقة الحاكمة و المقربة من السلطة هي وحدها تملك كل شيء, ولكن تعمل قليلا جدا للشعب, وترفع شعار إنها هي الوحيدة تملك الخبرة وهي تدرك كيف يجب ان يعيش الشعب – هذه وجهه نظر بازاروف - , أي المشكلة السابقة (لدى ا لآباء الخبرة ولدى الأبناء الحماس فقط) عاد ت من جديد الى الساحة , عصابة بوتين ترى إنها تملك حق التمسك بالسلطة لأنها هي الأحق، هي من صنعت الخير والرفاهية للجميع خلال عشرة السنوات الأخيرة , الحقيقية ان أسعار النفط انتقلت من عشرة دولارات الى أكثر مئة دوار للباريل بعد أحداث 11سبتمبر 2001 وليس بفضل دكاء بوتين وعصابة

ان الشعب الروسي يتكون من أغلبية فلاحيه غير متعلمة في عهد القياصرة هي لا تملك أي حق, منتشرة بينهم الأمية والإيمان بالخرافات والشعوذة وتناول الكحول, – هنا يوجد سبب جغرافي طبيعي لان مرحلة البرد أكثر من الدفيء أي 8 أشهر خلالها الفلاح لا يعمل- وترى في الحاكم رمز اللة على الأرض

اليوم نفس الشيء الطبقة الحاكمة وأبنائها يعيشوا حياة تشبه الارستقراطية وملاكي الأرض في أيام القياصرة . أي عادة روسيا الى الماضي, بدلا أن تسير الى الأمام , بعد تجربة الإيديولوجية الشيوعية التي خربت روسيا و بلدان كثيرة في العالم الثالث, اليوم هي عادت الى مستواهم السابق أي مثل البلدان النامية , بعد انقطاع مضى ما يقارب 80 عام فترة الحكم السوفيتي, الفرق بين روسيا وبلدان العالم الثالث موقعها الجغرافي القاسي وأرضها المليئة بالثروات الطبيعية, ولكن روسيا لا تجيد استخدام هده الثروات مثلما يمتلك خبرة عظيمة الغرب الذي لا يطيقوه من هم في السلطة اليوم , الغرب بفضل العلم والتقنية أصبح غني وله دور في تسير حركة التاريخ العالمي

اليوم روسيا لم تعد بلد عظيم , ولا بلد صناعي ولا... هي عادت الى مكانتها السابقه مثل اي دولة مثلا اسبانيا او ايطاليا او نرويج او ...ومن المؤكد سوف تصبح معرض تاريخي كبير للتجربة السوفيتية, حضارة ظهرت واختفت خلال قرن واحد , مثلما اليوم يزور السواح اليونان أو مصر التي امتدت حضارتها قرون طويلة